بقلم زكية لعروسي
في زمن تتكاثر فيه المنابر وتتنافس فيه الأصوات على اجتذاب الانتباه، تصبح الكلمة أكثر من مجرد رأي؛ تغدو فعلا عموميا، وأحيانا زلزالا أخلاقيا. قضية جان-كلود داسييه ليست حادثة عابرة في أرشيف السجالات التلفزيونية، بل علامة فارقة في النقاش الفرنسي حول حدود حرية التعبير، ومسؤولية الإعلام، وخطورة التعميم حين يصيب جماعة كاملة. الرجل، البالغ من العمر أربعة وثمانين عاما، ليس وجها هامشيا في المشهد السمعي البصري. فقد شغل مواقع قيادية في قنوات إخبارية كبرى، وتولى رئاسة ناد رياضي عريق، قبل أن يصبح من الأصوات الحاضرة بانتظام على شاشات وإذاعات مؤثرة. هذا الثقل المهني يضاعف أثر كلمته، ويجعلها أبعد من مجرد رأي شخصي عابر. خلال نقاش متلفز حول جنوح الأحداث، صدرت عبارة أثارت عاصفة من الجدل: Les musulmans, ils s’en foutent de la République.» ليست المشكلة في حدّة النقاش فحسب، بل في طبيعة التعميم. حين تختزل جماعة دينية كاملة في حكم قطعي، يمحى التنوع الداخلي، ويستبدل التعقيد الاجتماعي بصورة نمطية قاسية. هنا لا يعود النقاش عن ظاهرة اجتماعية محددة، بل يتحول إلى توصيف جماعي يلقي بظلاله على ملايين المواطنين. القضاء الفرنسي رأى في العبارة تجاوزا يستوجب الإدانة، فحكم بغرامة مالية مع وقف التنفيذ. الحكم، وإن بدا رمزيا من حيث العقوبة، يحمل دلالة قانونية واضحة: حرية التعبير لا تعني حرية التعميم المهين.
الإعلام في الديمقراطيات ليس مجرد منصة للرأي؛ إنه فضاء لتشكيل الوعي العام. حين يستضيف منابره شخصيات معروفة بحدّة خطابها، فهو يراهن- ضمنا – على الإثارة بوصفها عملة المشاهدة. غير أن الإثارة، حين تمسّ الانتماءات الدينية أو العرقية، قد تتحول إلى وقود انقسام. المعضلة هنا ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية أيضا: هل يُكافأ الصوت الصادم بمساحة أوسع لأنه يجلب الجمهور؟ أم يقاس حضوره بمدى التزامه بدقة العبارة وعدالة التوصيف؟
من حق أي إعلامي أو محلل أن ينتقد ظواهر اجتماعية أو سياسات عامة. لكن ثمة فارقا بين نقد سلوك محدد داخل سياق معين، وبين إسباغ حكم قيمي شامل على جماعة كاملة. الأول يدخل في صلب النقاش الديمقراطي. أما الثاني فينزلق إلى منحدر الوصم الجماعي. والوصم، في مجتمع متعدد كفرنسا، لا يظل حبيس الاستوديوهات. إنه يتسرب إلى الشارع، إلى العلاقات اليومية، إلى نظرة الجار للجار. السن لايعفي… والتاريخ المهني لا يحصّن يقال إن التجربة تمنح حكمة. غير أن التجربة، مهما طالت، لا تمنح حصانة من المساءلة. بل لعلها تجعل المسؤولية أثقل، لأن صاحبها يعرف وزن الكلمة وأثرها. أن يكون المتحدث في الرابعة والثمانين، أو أن يكون قد تولى مناصب مرموقة، لا يخفف من وطأة العبارة. بل يذكّر بأن الخطاب العام ليس مجالا للتسيّب، مهما علا شأن صاحبه.
الجمهورية، أيّ جمهورية، تقوم على ركيزتين: حرية التعبير، وكرامة المواطن. وحين تتصادم الركيزتان، يتدخل القانون ليعيد التوازن. قضية جان-كلود داسييه ليست مجرد ملف قضائي. إنها درس في أن الكلمة، حين تقال من منبر واسع، تصبح مسؤولية وطنية. وأن الدفاع عن حرية الرأي لا يكتمل إلا بالدفاع عن دقة الرأي وعدالته. في زمن الاستقطاب الحاد، ربما تكون الفصاحة الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في وزن العبارة. فالكلمات، إن لم تحسن قياسها، قد تبني جمهورا… لكنها قد تهدم جسورا
