بقلم زكية لعروسي
ليس السؤال عن غياب دولة، بل عن غياب ثقل. وليس الحديث عن جغرافيا تمحى من الخريطة، بل عن ميزان يختلّ في رقصة القوى. حين يطرح سؤال: هل يؤدي غياب إيران إلى إطفاء النيران في الشرق الأوسط؟ فإنه سؤال يتجاوز الخرائط إلى فلسفة التوازن، ويتخطى اللحظة إلى طبقات التاريخ العميقة. الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج ذات قطعة واحدة. هو أشبه برقصة سيوف فوق برميل نفط، في مفترق طرق تعبره الحضارات منذ آلاف السنين. في قلبه يمر شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز، وعلى أطرافه تتشابك طرق التجارة التي عرفت قوافل البخور ثم ناقلات النفط ثم كابلات الألياف البصرية. هنا، لا يغيب لاعب إلا ليولد سباق جديد.
إذا غابت إيران، فلن ينتهي الصراع؛ بل سيعاد توزيع مراكز الثقل بين السعودية وتركيا وإسرائيل، مع ظل ثقيل دائم لكل من الولايات المتحدة وروسيا. التاريخ لا يحب الفراغ. وكل فراغ في هذه المنطقة تحديدا يتحول إلى دعوة مفتوحة لإعادة رسم النفوذ. الحدود في الشرق ليست مجرد خطوط. إنها ندوب اتفاقيات، أبرزها إرث اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت الجغرافيا بمنطق المصالح الإمبراطورية لا بمنطق التكوينات الاجتماعية. هذه الحدود أنتجت دولا تحمل في داخلها فسيفساء هويات: قوميات متجاورة. مذاهب متداخلة. قبائل تتجاوز الخرائط. إزالة إيران من المشهد لن تمحو هذه التعقيدات. بل قد تطلق ديناميات جديدة لإعادة تشكيلها.
في علم الجيوبوليتيك، لا يقاس الاستقرار بغياب الخصوم، بل بتوازنهم. وجود إيران شكّل لعقود عنصر ردع وتوتر في آن واحد. هي لاعب مزعج، نعم، لكنها أيضا جزء من معادلة تمنع طرفا واحدا من احتكار المشهد. غيابها قد: يعزز طموحات قوى إقليمية أخرى, يفتح سباق تسلح جديد, يدفع فاعلين غير دولتيين إلى ملء الفراغ, يعيد رسم تحالفات لم تكن ممكنة سابقا. حين سقطت قوة إقليمية كبرى، لم يعم السلام؛ بل اندلع صراع على الإرث. الشرق الأوسط ليس ساحة نزاع عقائدي فقط، بل عقدة طاقة عالمية. موارد النفط والغاز، والممرات البحرية، والموانئ الاستراتيجية، تجعل كل تغيير في ميزان القوى حدثا يتجاوز الإقليم. إطفاء “حريق” سياسي لا يعني إزالة قابلية الاشتعال الاقتصادية. فطالما بقيت الموارد مركزية في الاقتصاد العالمي، ستظل المنطقة موضع تنافس. التاريخ لا يكافئ الطيبين ولا يعاقب الأشرار وفق معيار أخلاقي. هو يسجل النتائج. وفي سجلّه، كثيرا ما كان إسقاط لاعب كبير بداية فصلٍ أكثر اضطرابا. الاستقرار لا يبنى بإلغاء قوة، بل بإدماجها أو موازنتها. وكل محاولة لصناعة شرق أوسط “نظيف” من لاعب بعينه قد تنتهي بشرق عربي أكثر تشظيا.
هل يمكن تخيل شرق بلا إيران؟ تخيّل خريطة بلا طهران. هل تختفي خطوط التوتر في العراق؟ هل تنتهي الحسابات في سوريا؟ هل تهدأ مياه الخليج؟ أم أن اللاعبين الآخرين سيملؤون الفراغ بأدواتهم الخاصة، وربما بصراعات جديدة لم نعرفها بعد؟ الشرق الأوسط ليس مسرحا بطله واحد. إنه نص متعدد الأصوات، حيث كل شخصية تحمل بذرة أزمة محتملة. النار لا تطفأ بإزالة عود ثقاب واحد. فإطفاء حريق لا يعني انتهاء قابلية الاشتعال. المنطقة محكومة بعوامل أعمق من وجود دولة واحدة: جغرافيا مغرية, موارد استراتيجية, ذاكرة تاريخية مثقلة, و تداخل مصالح دولية. غياب إيران قد يغيّر لون النار، لكنه لن يلغي احتمالية اشتعالها. فالاستقرار ليس نتيجة حذف، بل نتيجة توازن معقد، أشبه بمشي دقيق فوق حبل مشدود بين المصالح والردع والاعتراف المتبادل. وفي النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل سيختفي اللهيب؟ بل: هل تعلّمنا كيف نعيش في أرض تعرف النار أكثر مما تعرف الرماد؟
