ترامب : إعادة رسم خريطة الغاز بالمليارات

بقلم زكية لعروسي، باريس

لم تعد الطاقة مجرد مورد، بل سلاحا استراتيجيا يعاد رسم خرائط النفوذ من خلاله، جاءت صفقة المليار دولار بين إدارة دونالد ترامب  وشركة طوطال إينرجي كإشارة صارخة إلى تحوّل عميق في فلسفة الاقتصاد السياسي العالمي. لم تكن هذه الصفقة مجرد اتفاق مالي، بل إعلانا غير مباشر عن نهاية مرحلة، وبداية أخرى تتقدّم فيها “الواقعية الطاقية” على حساب “المثالية المناخية”.

حين تقرر شركة بحجم طوال إينيرجي التخلي عن مشاريع طاقة رياح بحرية قبالة السواحل الأمريكية، مقابل حوافز مالية ضخمة، فإن الأمر يتجاوز الحسابات التقنية أو الربحية البحتة. إنه انعكاس مباشر لتحوّل في مركز القرار داخل واشنطن: من دعم الطاقات المتجددة إلى إعادة تمركز حول النفط والغاز هنا، لا نتحدث عن سوق حر، بل عن اقتصاد موجّه سياسيا حيث تعاد صياغة أولويات الشركات الكبرى وفقا لإشارات السلطة. كما قال جون ماينير كينز  : “الأسواق قد تبقى غير عقلانية أطول مما يمكنك البقاء قادرا على الدفع.” وفي هذا السياق، يبدو أن طوطال إينرجي اختارت التكيّف بدل المواجهة. منذ كتابه الشهير فن الصفقة، بنى دونالد ترامب فلسفته على مبدأ بسيط: اضغط أولا… فاوض لاحقا… ثم أعد توزيع المكاسب. هذه الصفقة تجسد ذلك حرفيا:

– ضغط سياسي على مشاريع الرياح

– تهديد ضمني بإلغاء أو تعطيل

– عرض “تعويض” مشروط بإعادة الاستثمار في الوقود الأحفوري

إنها ليست صفقة، بل إعادة توجيه قسرية لرأس المال العالمي. الطاقة كسلاح انتخابي لا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق الداخلي الأمريكي:

– ارتفاع أسعار الوقود

– اقتراب انتخابات منتصف الولاية

– تزايد الضغط الشعبي

في هذا الإطار، تصبح الطاقة أداة سياسية بامتياز، حيث يسعى البيت الأبيض إلى:

– خفض الأسعار بسرعة

– طمأنة الأسواق

– وإظهار السيطرة على “الفوضى العالمية”

وهو ما يذكّر بتحليل مالتون فريدمان الذي رأى أن الأزمات غالبا ما تستغل لفرض سياسات لم تكن ممكنة في الظروف العادية. هل يعني هذانهاية الوهم الأخضر؟ التخلي عن مشاريع الرياح البحرية يطرح سؤالا أكبر: هل نشهد بداية تراجع عالمي في زخم التحول الطاقي؟ الإدارة الأمريكية الحالية لا تخفي موقفها:

– التشكيك في جدوى الطاقات المتجددة

– التركيز على “الطاقة الموثوقة والرخيصة”

– إعادة الاعتبار للنفط والغاز

لكن هذا التحول يحمل مفارقة خطيرة: ما يبدو حلا اقتصاديا قصير المدى قد يتحول إلى تكلفة استراتيجية طويلة المدى. إعادة توجيه استثمارات طوطال إينرجي نحو الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، خصوصا مشاريع مثل رييو غروند ، تعني:

– تعزيز مكانة أمريكا كمصدر عالمي للطاقة

– تقليص اعتماد أوروبا على مصادر أخرى

– إعادة تشكيل توازنات السوق العالمية

إنها لعبة نفوذ بامتياز، حيث تتحول الشركات متعددة الجنسيات إلى أدوات ضمن استراتيجية دول.ة بين الدولة والسوق: من يقود من؟ هذه الصفقة تطرح سؤالا كلاسيكيا في الاقتصاد السياسي: هل تتحكم الشركات في الدول… أم العكس؟ في هذه الحالة، تبدو الإجابة واضحة: الدولة فرضت الإطار والشركة أعادت التموضع داخله لكن الحقيقة الأعمق هي أن العلاقة أصبحت تبادلية ومعقّدة، حيث يحتاج كل طرف إلى الآخر في لعبة المصالح الكبرى.

ليست هذه الصفقة حدثا عابرا، بل مؤشر على تحوّل أوسع: من العولمة البيئية إلى القومية الطاقية من الاستدامة إلى البراغماتية من المستقبل إلى الحاضر العاجل في عالم تتقاطع فيه الحرب مع الاقتصاد، والسياسة مع الأسواق، تبدو الطاقة اليوم كأنها: العملة الحقيقية للقوة. أما السؤال الذي سيحدّد شكل العقد القادم، فهو ليس: هل سننتقل إلى الطاقة النظيفة؟بل: من سيملك حق تقرير متى… وكيف… وبأي ثمن؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *