ترامب: بين أمن الطاقة واستعراض القوة

في لحظة جيوسياسية تتسم بتصاعد التوترات وإعادة تشكيل التحالفات الدولية، عاد مضيق هرمز – أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي – إلى صدارة المشهد الاستراتيجي. فقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدول المستفيدة من تدفق النفط عبر هذا الممر البحري إلى إرسال سفن حربية للمساهمة في تأمينه، في خطوة تحمل أبعادا عسكرية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الخليج. وجاءت تصريحات ترامب عبر منصته تروث سوسيال، حيث أكد أن الولايات  المتحدة «هزمت إيران بالكامل عسكريا واقتصاديا»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مسؤولية حماية المضيق لا ينبغي أن تقع على عاتق واشنطن وحدها. وكتب أن الدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق «يجب أن تضمن أمنه»، مضيفا أن الولايات المتحدة «ستساعد» في هذه المهمة.

يمثل ممر همرز نقطة اختناق استراتيجية في منظومة الطاقة العالمية. فحوالي خمس النفط المتداول عالميا يعبر هذا الممر الضيق الذي يفصل الخليج العربي عن خليج عمان. أي اضطراب في حركة الملاحة هناك يمكن أن يؤدي إلى هزات فورية في الأسواق العالمية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة الأميركية إلى تشكيل مظلة أمنية متعددة الجنسيات تعكس إدراكا متزايدا في واشنطن بأن حماية خطوط الإمداد لم تعد شأنا أميركيا صرفا، بل مسؤولية جماعية للدول المستفيدة من استقرار السوق النفطية. رغم أن تصريحات ترامب اتسمت بنبرة انتصار حادة تجاه إيران، فإن الدعوة إلى إرسال أساطيل دولية تحمل في طياتها رسالة ردع واضحة. فوجود قوة بحرية متعددة الجنسيات في المضيق قد يهدف إلى تقليص هامش المناورة الإيراني في واحدة من أهم أوراق الضغط التي تمتلكها طهران في مواجهة الغرب.

طوال العقود الماضية، استخدمت إيران التهديد بإغلاق المضيق كوسيلة استراتيجية في أوقات التصعيد، وهو ما جعل أمن الملاحة فيه مسألة ذات أولوية قصوى لدى القوى الكبرى. تشير تصريحات ترامب أيضا إلى تحول في التفكير الاستراتيجي الأميركي: من نموذج “الشرطي البحري العالمي” إلى نموذج تقاسم الأعباء. فالدول الآسيوية والأوروبية- خصوصا تلك التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج – قد تجد نفسها أمام اختبار جديد للمساهمة في حماية مصالحها الطاقوية. مثل هذه الخطوة قد تعزز أيضا حضور تحالفات بحرية جديدة في المنطقة، وربما  تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر تعقيداً في المياه المحيطة بالخليج. أي تصعيد أو تعزيز عسكري في المضيق غالبا ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط. فالمستثمرون ينظرون إلى أمن ممر همر باعتباره مؤشرا رئيسيا لاستقرار الإمدادات. وحتى دون وقوع مواجهات مباشرة، فإن مجرد ارتفاع مستوى التوتر كفيل بإثارة مخاوف الأسواق.

يبقى السؤال الجوهري: هل تهدف هذه الدعوة إلى ردع التهديدات وضمان حرية الملاحة، أم أنها قد تزيد من عسكرة أحد أكثر الممرات حساسية في العالم؟ في منطقة اعتادت أن تكون مسرحاً لتوازنات دقيقة بين القوة والدبلوماسية، قد يتحول أي تحرك عسكري واسع إلى عامل إضافي في معادلة التصعيد. ومع ذلك، فإن أمن الطاقة العالمي يجعل من مضيق هرمز ساحة لا يمكن لأي قوة كبرى أن تتجاهلها. وهكذا، وبين لغة الحسم التي يستخدمها ترامب والدعوة إلى تحالف بحري دولي، يبدو أن المضيق سيظل- كما كان دائماً- مرآة تعكس صراع النفوذ في الشرق الأوسط، ومقياسا لمدى قدرة النظام الدولي على إدارة التوترات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *