بقلم د. زكية لعروسي
العالم لا يستيقظ ولا ينام، بل يعاد تشغيله كل صباح مثل هاتف قديم يمتلئ بملفات لا يعرف صاحبها من حمّلها ولا متى قبل شروط الاستخدام. والسياسة الدولية لم تعد سياسة، بل واجهة مستخدم باردة، حيث الأصبع أهم من الفكرة، والتغريدة أقوى من الدبابة، والحدود خطوط وهمية رسمها شخص نسي كلمة المرور. ثم جاء ترامب، لا كرجل بل كخطأ برمجي يتحرك ويتكلم ويبتسم ابتسامة إعلانية، ويقول: «أنا الأمن القومي». وهو لا يرى الأمن، بل يرى المساحة؛ لا يرى الشعوب، بل يرى الفراغات القابلة للملء؛ لا يرى التاريخ، بل يرى المستقبل كسوبرماركت مفتوح طوال الليل.
يقول: «هذه الجزيرة جميلة، هذه الجبال نقية، هذا الجليد يصلح للتخزين، هذا الموقع يراقب الصين وروسيا؛ إذن نحن نشتريه، أو نكسره، أو نعيد تسميته». فالإسم مسألة ثانوية، المهم أن ينتقل من خانة «غيرنا» إلى خانتنا. هكذا يفكر العالم الجديد، ليس بخبث بل ببرود الخوارزمية التي لا تعرف الرحمة؛ لأن الرحمة لا تدخل في الكود. وفي مكان ما يقف الجليد ويتكلم، وهذا هو الجنون الحقيقي: أن تتكلم الأشياء الصامتة قبل البشر. أن تقول جزيرة: «لا، أنا لست سلعة، لست امتدادا لعلم ولا ذيلا لتحالف. أنا أريد أن أكون نفسي». فيرتبك العالم؛ لأن كلمة «نفسي» هذه غير موجودة في قاموس السوق والسياسة. إرتباك أمام فكرة أن شيئا يمكن أن يوجد دون أن يكون تابعا أو معروضا للبيع. فيصاب النظام بالذعر، ويرسل مبعوثا خاصا كما يرسل طبيبا لفحص عضو يرفض الزراعة.
وفي الخلفية، إيران لا تصرخ ولا تلوّح، بل تنمو مثل نبات أخضر في شق أسفل إسفلت التاريخ؛ نبات عنيد لا يحتاج إعلانات ولا مؤتمرات، يكفيه الوقت. فالوقت حليف من يعرف كيف ينتظر. وأمريكا لا تنتظر؛ هي تستهلك الزمن كما تستهلك النفط، لذلك لا تفهم من يمشي ببطء ولا من يزرع بدل أن يغزو، فتتهمه بالغموض؛ لأن الوضوح في هذا العصر يعني الضعف. الناتو يقف كتمثال قديم في ساحة رقمية؛ تحالف كتب في زمن الورق، وها هو يطلب منه أن يعمل في عصر السيليكون. تحالف يقوم على فكرة أن الجميع يدافع عن الجميع، ثم يأتي سؤال طفولي قاتل: ماذا لو كان الذئب من الداخل؟ ماذا لو ضغط الزرّ من يفترض أنه يحمي الزرّ؟ فيصمت التمثال، ويظهر صدع صغير في الرخام إسمه الشك.
ترامب لا يمثل أمريكا، بل يمثل لحظة فلسفية خطيرة؛ لحظة يصبح فيها العالم قابلا للاختصار في صفقة، ويصبح الإنسان رقما، ويصبح المكان وظيفة، ويصبح السلام خيارا غير مربح. الحرب ليست شرا بل استثمارا، والخوف ليس عارضا بل محرّكا أساسيا للنظام. والعقل الجمعي لا يسأل «لماذا؟» بل «كم؟». ومن هنا يبدأ السيل: لا دبابات، لا انقلابات، فقط تدفّق مستمر من اللغة؛ لغة تهديد ملساء، لغة ابتسامة مع سكين، لغة تقول: «الطريقة الناعمة أو الخشنة»، وكلاهما يؤديان إلى النتيجة نفسها. أنت داخل معادلة لم تخترها، ولم تكتبها، ولم تقرأ شروطها.
من القادم؟ لا أحد يعرف؛ لأن اللائحة لا تكتب بالحبر بل بالفراغ. كل مكان غير محصّن بالسردية معرّض أن يتحول إلى مشروع، وكل شعب لم يصرخ «أنا موجود» يمكن أن يتحول إلى هامش، وكل صمت يفسَّر كقبول، وكل قبول كدعوة. هذا ليس زمن ترامب، ولا زمن إيران، ولا زمن غرينلاند؛ هذا زمن تتفلسف فيه القوة، وتتبسّط فيه الفلسفة. زمن يصبح فيه العبث سياسة، والسياسة عبثا منظّما. زمن تحتاج فيه إلى حس ساخر أسود، لا لتضحك بل لتنجو؛ لأن من لا يسخر يصدق، ومن يصدق يغرق. العالم يندفع، ولا أحد يوقفه. لكن ربما يكفي أن ننظر إليه بوعي، لا كمشهد بل كمرآة، لنسأل بهدوء مخيف: هل نحن بشر أم بيانات؟ وهل لا يزال للدهشة مكان، أم أنها أيضا ستدرج قريبا في بورصة الخوف؟

فعلا الأستاذة لعروصي. الزمن يتكلم لغة التقنية والقوة، لذا لا تانفتاح على الغير ولاتفاوض، إلا بهذه اللغة. القوة التي يقرب ماهيتها، صورة رأس الكائن الأسطوري “جانيس”، الرأس ذو الوجهين، وجه ملامحه تميل إلى الجمال والوجه الثاني يمثل القبح والشر في العالم. أما الغة التي يتكلم بها هذا العصر الضنين، يجسدها الوجه القبيه من “رأس جانيس”. يشي هذا الوجه بمعنى هذا العصر الذي فلسفته أفكار أصحاب” الأنوار المظلمة”، لكي يتم إنشاء عالم جديد، لا يعترف بمجمل الأفكار العظيمة التي أسست مفهم الدولة الحديثة ومنظومة قيم حقوق الإنسان ، عصر ينادي بانبعاث عصر “الأمبراطوريات”، التي ستلتهم ما تبقى من شعرية العالم بتحويل الأرض إلى خراب، وإذاك يتم إعمارها من جديد، وفق فلسفة تلك الأنوار. ورأس الولايات الأمريكية المتحدة، هو متزعم تلك الأنوار الآن، ويتلك بلغة القوة التي تترجمها آخر ما ابتكرته التقنية من عتاد عسكري…..