بقلم زكية لعروسي، باريس
يقف دونالد ترامب كظاهرة لا يمكن اختزالها في قالب سياسي تقليدي. فهو ليس مجرد رجل تفاوض، بل أشبه بمرآة تعكس وجوه العالم المتعددة، حيث الحقيقة تتشظى إلى روايات، والروايات تتحول إلى أدوات قوة. ترامب لا يتحدث… بل “يُبثّ”. كأن كلماته ليست صادرة من حنجرة بشرية، بل من خوارزمية تتغذى على انتباه الجماهير. هو ابن عصر لم يعد فيه السياسي يقاس بخطابه في القاعات المغلقة، بل بقدرته على احتلال الفضاء الرقمي، حيث تصبح التغريدة طلقة، والمنشور مناورة، والصمت نفسه رسالة مشفّرة.
في العمق، لا يتحرك ترامب وفق منطق السياسة الكلاسيكية المبنية على التوازنات الدقيقة، بل وفق منطق “السيطرة الإدراكية”. هو لا يسعى فقط لتغيير الواقع، بل لإعادة تشكيل الطريقة التي يُرى بها الواقع. هنا تكمن غرائبيته:
– يخلق أزمة، ثم يعرض نفسه كحل لها
– يهاجم المؤسسات، ثم يتكئ على شرعيتها
– يزرع الشك، ثم يقدّم اليقين بصيغة مطلقة
إنه يدير السياسة كما لو كانت مسرحا سرياليا، حيث لا يكون الهدف إقناع الجمهور بقدر ما هو إبقاؤه في حالة انبهار دائم. وكأن العالم، تحت تأثيره، يعيش في عرضٍ لا ينتهي، تتداخل فيه الحقيقة مع الأداء. مفارقة التواصل: رجل من المستقبل بظلٍ من الماضي. قد يبدو ترامب كأنه خرج من زمن قديم، زمن الزعماء ذوي الخطاب المباشر والصادم، لكنه في الحقيقة ابن بارع لعصر المنصات. هو يفهم -بشكل غريزي- أن: من يملك الانتباه، يملك السلطة.
في هذا السياق، تتحول محادثاته مع العالم -سواء كانت تصريحات عن الحروب أو مفاوضات غامضة- إلى أدوات ضغط نفسية. ليست مجرد رسائل دبلوماسية، بل إشارات تبثّ إلى الأسواق، إلى الحلفاء، إلى الخصوم… وحتى إلى الجماهير التي لا تدرك أنها جزء من اللعبة. في زمن ترامب، لم تعد السياسة تمارس فقط في الغرف المغلقة، بل في وعي الناس. تصريح واحد قد يخلق واقعا نفسيا جديدا، حتى لو لم يتغير شيء فعليا على الأرض. وهنا تظهر خطورة هذا النمط: العالم لا يعيش فقط أحداثه، بل يعيش “تفسيراته” للأحداث. كأن البشرية دخلت متاهة لا جدران لها، حيث الأخبار تتكاثر، والحقائق تتبدل، واليقين يصبح سلعة نادر
ترامب ليس أسطورة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضا ليس شخصية عادية خرجت من جيوب الماضي. إنه ظاهرة هجينة: نصفها رجل، ونصفها سردية. نصفها سياسة، ونصفها عرض إعلامي. وفي هذا التداخل الغريب، يكمن يقين واحد لا جدال فيه: أن العالم لم يعد كما كان قبل أن يصبح التواصل نفسه ساحة المعركة.
📲 Partager sur WhatsApp