بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمنأصبحت تتهم فيه السياسة بالكذب، بقي العلم آخر الملاذات التي يلجأ إليها الناس بحثا عن الحقيقة. لكن يبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة يصبح فيها الطبيب سياسيا، والسياسي طبيبا، ويعلن التشخيص من منصة مؤتمر صحافي لا من مختبر علمي. وهكذا ظهر على المسرح السياسي “الدكتور كنوك ترامب”، مرتديا معطفا أبيض متخيلا، ليخبر العالم ـ بثقة لا يملكها حتى كبار علماء الأعصاب ـ أنه اكتشف سبب التوحد: حبوب الباراسيتامول أثناء الحمل. لا حاجة هنا لعقود من البحث، ولا لآلاف الدراسات الطبية.

مجرد إعلان رئاسي… واللغز العلمي الذي حيّر الباحثين لعقود يحلّ في دقائق. لو كان الكاتب الفرنسي جول رومان حيّا، صاحب مسرحية دكتور كنوك الشهيرة، لابتسم بسخرية سوداء. ففي مسرحيته كان الطبيب المحتال يقنع الناس بأنهم مرضى ليحكم السيطرة عليهم. أما في نسختنا المعاصرة، فالوضع أكثر غرابة: السياسي يقنع الناس أنه طبيب… ثم يبدأ في علاج العالم بنظريات مرتجلة.
الطب، بطبيعته، علم بطيء ومتواضع. يشكّ في نتائجه، يراجع نفسه، ويحتاج إلى أدلة قاسية قبل أن يعلن الحقيقة. أما الطب الشعبوي فله قواعد مختلفة تماما: لا حاجة إلى دليل. الشك العلمي يستبدل باليقين السياسي . وكلما كانت الفكرة أكثر إثارة للصدمة… زادت قابليتها للانتشار. وهكذا يتحول الدواء الأكثر شيوعا في العالم إلى متهم عالمي في جريمة لم تثبتها أي دراسة علمية.
السخرية هنا ليست في التصريح نفسه فقط، بل في اللحظة التاريخية التي قيل فيها. فنحن نعيش في عصر يمتلك فيه العلماء خرائط الجينوم البشري، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومراكز أبحاث تدرس الدماغ على مستوى الخلية. ومع ذلك، يأتي سياسي ليختصر كل هذا الجهد العلمي في جملة واحدة: “لقد وجدنا السبب.” إنها جملة تحمل ثقة مدهشة… لكنها تشبه إلى حد بعيد ثقة العرافين.
عندما وصف باراك أوباما هذه التصريحات بأنها «عنف ضد الحقيقة»، لم يكن يتحدث فقط عن خطأ علمي. بل عن ظاهرة أوسع: تحويل الجهل إلى خطاب سياسي. فالخطر الحقيقي ليس في الفكرة نفسها، بل في قدرتها على زرع الخوف: أم حامل قد تخاف من تناول مسكن ألم بسيط. والدان لطفل مصاب بالتوحد قد يعيشان شعورا بالذنب. ومجتمع بأكمله قد يبدأ في الشك بالطب نفسه. وهكذا تصبح الكلمة السياسية أقوى من عشرات الدراسات العلمية.
لكن ربما أجمل ما في هذه القصة هو دهشة العصر نفسه. نحن نعيش زمنا تتجاور فيه أعظم إنجازات العقل البشري مع أكثر الأفكار بساطة وسطحية. العلم يذهب إلى المريخ… والسياسة ما زالت تبحث عن إجابات طبية في المؤتمرات الصحافية. ربما لهذا السبب تبدو عزيمة الدهشة ضرورية اليوم. أن نستمر في الدهشة، في السؤال، في الدفاع عن الحقيقة. لأن العالم الذي يتوقف عن الدهشة… قد يصدق بسهولة أن السياسي أصبح طبيبا، وأن الحقيقة مجرد رأي آخر.
