تركيا: يقظة الضمير أم حسابات الموازين

بقلم زكية لعروسي, باريس

السياسة هي خليط بين فن الحكمة والمكر، وفيها يغدو الصمت أحيانا أبلغ من الخطب، بين هذا وذاك ينهض رجل من سبات طال، أو هكذا يخيَل للناظرين. أأيقظت النيران المشتعلة في أطراف المشرق حس الضمير، أم أن الرياح حين تغيّر اتجاهها تجبر الربابنة على إعادة رسم خرائط النجاة؟ إن مثل هذه العقليات ليست كعقلية رجل واحد، بل ككتيبة من الأهواء: فيها الحذر كالثعلب، والهيبة كالأسد، والتربص كالبوم الذي لا يرى في النهار إلا ما يوافق ليله. وهكذا يبدو مشهد أردوغان؛ فالرجل الذي طالما نسج خيوطه بين الشرق والغرب، بين الأسواق والسيوف، يرفع صوته اليوم كمن اكتشف فجأة أن النار تحرق. لكن، أيقظة هذه أم إعادة تموضع؟

لو رجعنا إلى “شذور الذهب”، لوجدنا أن الدول – كالأفراد – تمر بأطوار: طور الغفلة، ثم طور الانتباه، ثم طور الندم الذي لا يردّ ما فات. وفي هذا الطور الأخير، تكثر الخطب وتعلو الأصوات خشية من حساب التاريخ. أما في حكايات “كليلة ودمنة”، فثمة مجلس اجتمع فيه الأسد والذئب والثعلب والحمار. وكان الأسد لا يرى إلا ما يقال له. فقال الثعلب: “إن النار التي تشتعل بعيدا إن لم تطفأ، ستأتي إلى عرينك ولو بعد حين.” فضحك الحمار وقال: “دعها تشتعل، فما شأننا نحن؟” فلم تمض أيام حتى أكلت النار العشب، ثم الأشجار، ثم وصلت إلى عرين الأسد نفسه. فهل أردوغان اليوم يحاول أن يكون الأسد الذي تأخر في الزئير؟

السياسة التركية، منذ عقود، تتأرجح كراقص على حبل مشدود بين الإمبراطوريات القديمة والمصالح الحديثة. تارة تتدثر برداء الخلافة، وتارة ترتدي بذلة الدبلوماسية الباردة. لكنها في كل الأحوال، لم تكن بعيدة عن حسابات الربح والخسارة. اليوم، حين يعلو الصوت، لا بد أن نسأل: لماذا الآن؟ أي لأن النار اقتربت من الحدود؟ أم لأن صمت الأمس أصبح عبئا لا يحتمل؟

في فلسفة الحكم، كما يقول الحكماء، ليس السؤال: “ماذا تقول؟” بل “متى تقول؟” فالقول في غير أوانه كالمطر في البحر، لا ينبت زرعا ولا يروي عطشا. وهكذا، يبدو أن الصحوة – إن كانت صحوة – ليست إلا يقظة متأخرة في مسرح امتلأ بالدخان. فالمواقف، كالسيوف، إن لم تسحب في الوقت المناسب، صدئت في أغمادها. يبقى المشهد مفتوحا على تأويلات شتى: هل نحن أمام تحوّلٍ حقيقي في العقل السياسي؟ أم أمام فصل جديد من مسرحية قديمة، أبطالها يتغيرون، لكن النص يبقى هو ذاته؟ كما قال الجاحظ: “وما أكثر من يحسن القول إذا لم يطلب منه الفعل.” وبين القول والفعل, تبقى النيران مشتعلة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “تركيا: يقظة الضمير أم حسابات الموازين

  1. ان اكثر عقل ماكر هو العقل السياسي، لذلك يتكلم لغة الثعلب لما يفتقد صاحبه الجرءة على قول ” لا”. غير أنه لما تهدأ العاصفة، سيعاد رسم خريطة علاقات المصالح.
    مقال في الصميم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *