تطليق السياسة: فرنسا والمغرب… قلق واحد

بقلم زكية لعروسي, باريس

في وقت مضى كانت الانتخابات المحلية في فرنسا توصف بأنها «العيد الصغير للديمقراطية»، حيث يلتقي الجيران في ساحات البلديات ويتجادلون حول مصير شوارعهم ومدارسهم وحدائقهم، كانت المشاركة الشعبية تبدو كأنها رمز من رموز مدنية راسخة لا تتزعزع. لكن الأرقام الأخيرة التي كشفتها نتائج الانتخابات البلدية لعام 2026 تقول شيئا مختلفا تماما: مشاركة لا تتجاوز 57%، وهي من أدنى النسب في تاريخ الجمهورية الخامسة. إنه رقم بارد في ظاهره، لكنه يخفي خلفه تحوّلا عميقا في العلاقة بين المواطن والسياسة..تحول من «حب كبير» إلى فتور ديمقراطي

فلطالما اعتُبر العمدة في فرنسا أقرب السياسيين إلى الناس، وجها مألوفا في السوق الأسبوعي، وشخصا يمكن لقاؤه في المقهى أو في احتفال المدرسة. ومع ذلك، يشير المحللون، ومنهم الخبير السياسي فرانسوا كروس ، إلى أن هذا الرابط التاريخي بدأ يتآكل ببطء منذ ثمانينيات القرن الماضي. لم يعد الفرنسيون يرون في الانتخابات البلدية أداة حقيقية لتغيير حياتهم اليومية. فقد تحوّلت السلطة تدريجياً إلى مستويات أخرى من الحكم: الجهات، والتجمعات الحضرية، والمؤسسات فوق المحلية. ومع إصلاحات مثل قانون “لوا لونوطغ”، تقلصت صلاحيات العمدة في نظر المواطنين، فأصبح المنصب أقل قدرة على التأثير مما كان عليه في الماضي.

في السياسة، كما في العلاقات الإنسانية، حين يقلّ التأثير تقلّ العاطفة. وهكذا بدأ ما يشبه «طلاقا هادئا» بين المواطن وصندوق الاقتراع. المشكلة ليست تقنية فقط، رغم أن تغييرات نظام التصويت – مثل إلغاء «الباناشاج» في القرى الصغيرة – أثّرت على المشاركة. الأزمة أعمق بكثير: إنها أزمة ثقة. فالمواطن الفرنسي، مثل كثير من مواطني العالم، يعيش مفارقة قاسية: يسمع خطابات كبيرة عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنه في حياته اليومية يواجه واقعا أكثر تعقيدا: تضخم، قلق اجتماعي، تراجع الخدمات العامة، وشعور بأن القرارات الحقيقية تُتخذ بعيدا عن صناديق الاقتراع. هنا يظهر الفارق بين الوعود السياسية والواقع المعاش. وعندما تتسع هذه الفجوة، لا يغضب المواطن دائما… أحيانا يختار ببساطة الانسحاب.

هذه الظاهرة ليست فرنسية فقط. في المغرب أيضا، يظهر شكل آخر من العلاقة المتوترة بين المواطن والسياسة. فالمشاركة الانتخابية هناك تتذبذب بين موجات من الحماس وفترات من اللامبالاة، وغالبا ما يرتبط ذلك بإحساس شائع لدى جزء من المواطنين بأن السياسة لم تعد قادرة على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي بسرعة كافية. في البلدين، رغم اختلاف الأنظمة والسياقات، يتكرر السؤال نفسه: هل ما زالت الانتخابات قادرة على إقناع المواطن بأن صوته يحدث فرقا؟ في فرنسا، يشعر بعض الناخبين أن القرارات الكبرى تحسم في بروكسل أو في قمة الدولة. وفي المغرب، يرى آخرون أن التغيير الحقيقي يظل بطيئا مقارنة بانتظارات المجتمع. النتيجة في الحالتين هي ظاهرة واحدة: مواطن أقل حماسة للسياسة وأكثر تشككا في قدرتها .على الوفاء بوعودها.إنه مواطن جديد أقل إيديولوجية وأكثر براغماتية

فما يحدث اليوم ربما ليس موتا للديمقراطية، بل تحوّلا في شخصية المواطن نفسه. فالناخب المعاصر أقل ارتباطا بالأحزاب التقليدية وأكثر تقلبا في خياراته. إنه لا يمنح ثقته بسهولة، ولا يحتفظ بها طويلا. لقد أصبح المواطن أشبه بمستهلك سياسي: يقارن، يشكك، ويقرر أحيانا ألا «يشتري» الخطاب السياسي إطلاقا.مع ذلك، لا ينبغي قراءة انخفاض المشاركة باعتباره نهاية الديمقراطية. فالتاريخ يعلمنا أن العلاقة بين الشعوب والسياسة تمر دائماً بدورات من الحماس والفتور. في لحظات معينة، يبتعد الناس عن السياسة لأنهم فقدوا الثقة في قدرتها على التغيير. لكن حين تظهر أزمة كبيرة أو مشروع سياسي مقنع، يعودون فجأة إلى الساحة. الديمقراطية، في النهاية، ليست مجرد انتخابات… إنها علاقة ثقة طويلة بين المجتمع والسلطة. وعندما تهتز هذه الثقة، فإن إصلاح القوانين لا يكفي وحده. المطلوب هو شيء أعمق: إعادة ربط السياسة بحياة الناس الحقيقية.فالمواطن، سواء كان في باريس أو الرباط، لا يطلب المعجزات. إنه يريد فقط أن يرى أن الكلمات التي يسمعها في الحملات الانتخابية تستطيع، يوما ما، أن تتحول إلى واقع في الشارع الذي يعيش فيه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *