بقلم زكية لعروسي, باريس
مرّ خبر صغير بهدوء في نهاية السنة: سحبت معاطف مطرية للأطفال من الأسواق لأنها تحتوي على مواد كيمياوية قد تكون مؤذية للصحة. مجرد ملابس. لكن داخل أليافها مواد يسمّيها العلماء “الملوثات الأبدية”، لأنها لا تختفي بسهولة من البيئة ولا من أجساد البشر. الخبر في ظاهره تقني. لكن إذا تأملنا قليلا، سنكتشف مفارقة فلسفية عميقة: لقد أصبح الإنسان المعاصر يلبس السمّ كي يبدو أنيقا. ليس هذا مجرد خلل في الصناعة. إنه عرض جانبي لحضارة كاملة. لم يعد الاستهلاك اليوم نشاطا اقتصاديا بسيطا. لقد أصبح شكلا من أشكال بناء الهوية. لم يعد الإنسان يسأل: ماذا أحتاج؟ بل يسأل: كيف أبدو؟ في مجتمع الاستهلاك، لا تشترى الأشياء لأنها مفيدة، بل لأنها تحمل معنى رمزيا. الحقيبة ليست مجرد حقيبة. الساعة ليست مجرد أداة لمعرفة الوقت. الهاتف ليس مجرد وسيلة اتصال. كل سلعة هي إشارة اجتماعية. نحن لا نشتري الأشياء لنستعملها، بل لنقول بها شيئا عن أنفسنا.

في عالم تحكمه الصور، تصبح الحياة نوعا من المسرح الدائم. كل شيء قابل للعرض: الطعام، السفر، الملابس، وحتى تفاصيل الحياة اليومية. لكن ما يعرض ليس الحياة نفسها، بل صورتها المصقولة. وهكذا يحدث تحول غريب: تصبح الصورة أهم من الواقع. لا يعود المهم أن تكون سعيدا، بل أن تبدو سعيدا. لا يعود المهم أن تكون ميسورا، بل أن تبدو ميسورا. وهنا يدخل الإنسان في لعبة مرهقة: إدارة المظهر. الفقر الذي يتخفّى في شكل رفاهية الأمر الأكثر إثارة للتأمل أن هذه الثقافة تنتشر بسرعة في المجتمعات التي تعاني أصلا من ضغوط اقتصادية. كأن الفقر نفسه أصبح يدفع الناس إلى تمثيل عكسه. يشتري الناس أحيانا أشياء لا يحتاجون إليها، بمال لا يملكونه، ليظهروا أمام أشخاص لا يعرفونهم. في الظاهر يبدو الأمر صعودا اجتماعيا. لكن في العمق هو غالبًا محاولة للهروب من الشعور بالنقص. وهكذا تتحول السلع إلى أقنعة اجتماعية.
لكن المفارقة الأكثر قسوة هي أن السلع التي تمنحنا هذه الصورة الجميلة قد تحمل داخلها مخاطر لا نراها. المواد الكيميائية في الملابس، المضافات في الطعام، التلوث الناتج عن الإنتاج الصناعي. بكلمات بسيطة: نحن نحاول تحسين صورتنا الاجتماعية، لكننا أحيانا نفعل ذلك على حساب صحتنا والبيئة. إنه تبادل غريب بين الإنسان والسلعة: نمنح أجسادنا للمواد الكيميائية… مقابل لحظة إعجاب. اقتصاد الاستهلاك لا يقوم على تلبية الحاجات, بل على إنتاج الرغبات. ما لديك اليوم يجب أن يبدو قديما غدا. وما اشتريته بالأمس يجب أن يستبدل قريبا. وهكذا يدخل الإنسان في دورة لا تنتهي: شراء, استهلاك, استبدال ثم شراء من جديد. ليس لأن الأشياء تنتهي، بل لأن الرغبة يجب أن تبقى حية.
في هذا العالم، لم تعد الهوية شيئا ثابتا. إنها مشروع دائم التغيير. يعاد تشكيلها عبر ما نشتريه، وما نرتديه، وما نعرضه على الآخرين. لكن المشكلة أن الهوية التي تبنى على الأشياء تبقى دائما هشة. لأن الأشياء نفسها مؤقتة. وما دام الإنسان يعرف نفسه عبر ما يملك، فإنه سيظل مضطرا إلى امتلاك المزيد. ربما لا يمكن إيقاف آلة الاستهلاك العالمية. لكن يمكن للإنسان أن يعيد التفكير في علاقته بالأشياء. أن يشتري أقل. أن يختار أبطأ. أن يرفض أن تختزل قيمته في ما يملك. قد يبدو هذا بسيطا. لكنه في الحقيقة فعل مقاومة ثقافية. المواد الكيمياوية في الملابس قد تكون خطرة. لكن الخطر الأكبر ربما ليس في القماش الذي نلبسه، بل في الفكرة التي تزرع في عقولنا كل يوم: أن الإنسان لا قيمة له إلا بما يملك. حين نصدق هذه الفكرة، نصبح جميعا جزءا من نظام يحوّل البشر إلى مستهلكين…والحياة إلى واجهة عرض.
