بقلم زكية لعروسي، باريس
في أعماق الشرق المغربي، حيث تختبئ ذاكرة العالم تحت طبقات من الصمت، وحيث الأرض لا تنبت الحنطة فقط، بل تزرع الأساطير، انعقد المؤتمر الدولي الثاني للدراسات الأركيولوجية غير الجارحة وإعادة بناء المشاهد الطبيعية في المتوسط، في رحاب جامعة محمد الأول بوجدة، كأنه موعد مع الغائب الحاضر، أو كأن الزمن قرّر أن يعيد ترتيب أوراقه على طاولة الحضارة.

لم يكن هذا المؤتمر لقاء علميا عابرا يسجَّل في دفاتر الفعاليات الأكاديمية ثم ينسى، بل كان أشبه بطقس شاماني قديم، يستدعي أرواح المتوسط من مثواها الطويل، ليشهدوا كيف يتحوّل التراب إلى معنى، والحجر إلى لغة، والموت الذي لا يموت إلى حياة متجددة في صدور الباحثين. في صبيحة اليوم الأول، 27 مارس 2026، كان الاستقبال أشبه بمقدمة لملحمة. حضر رئيس جامعة محمد الأول بوجدة، ياسين زغلول، كأنه قائد مملكة لا حدود لها، مملكة المعرفة. لم يكن مجرد مسؤول يفتتح مؤتمرا، بل كان كاهنا.يبارك طقوس الانفتاح، وراعيا يحرس تلك اللحظة النادرة التي تلتقي فيها أرواح الباحثين من ضفاف المتوسط السبعة. وإلى جانبه، كانت نزهة بودهو، تلك الساحرة التي تعرف كيف تقرأ في الأرض كما تقرأ الكتب المقدسة، وكيف تستنطق الحجارة التي ظلت صامتة لآلاف السنين. معا، شكّلا ثنائيا أسطوريا، حيث صار العلم احتفالا، وصار الاحتفال رسالة، وصارت الرسالة عنوانا لمغرب لا يعرف كيف يكون صغيرا.

في القاعة التي امتلأت برهبة السؤال، وقف غابرييلي تشيكوني ونيكولا ماسيني ورفاقهما من المجلس الوطني الإيطالي للبحوث، ليقدموا للعالم ما يشبه السحر الأبيض: إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للمشاهد المحصنة في المتوسط، باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد. كأنهم أعادوا خلق الحصون التي تهاوت تحت وطأة الزمن، كأنهم سرقوا من الإله هيفايستوس أسرار الحدادة الإلهية، ليصنعوا من البيكسلات حجارة، ومن الخوارزميات تحصينات لا تقهر. كان مشهدهم أشبه برسامين عملاقين يرسمان على قماش الزمن لوحات لقلاع كانت يوما ملاذا للأبطال، ثم صارت رمادا، ثم عادت من رمادها لتشهد على عظمة الإنسان حين يتحدى النسيان.
ثم جاءت سارا ناردي كومبيسكور ورفاقها، ليحملونا إلى قلب إيطاليا، إلى أومبريا حيث لا تزال الأرض تحتفظ بأنفاس البراكين القديمة. برنامج CAVATEAM الذي عرضته لم يكن مجرد بحث، بل كان رحلة روحانية في بطون الأرض، حيث التقى علم الآثار غير الغازي مع الرغبة في فهم كيف عاش البشر فوق أرضٍ لا تتوقف عن التغير. كانت كلماتها كأنها تفتح نوافذ في الصخر، تدخل منها أنوار الألفية إلى دهاليز لم يطرقها بشر من قبل. وكأن إيطاليا، بهذا الحضور، كانت ترد التحية للمغرب الذي يحتضنها، لتؤكد أن المتوسط ليس فاصلا، بل جسرا، وأن ثقافاته حين تلتقي تخلق ما هو أعظم من أي حضارة منفردة.

أغات ديسمار، من كاسا دي فيلاسكيث في مدريد، جاءت لتتحدث عن العمارة الجنائزية في غرب المتوسط. كيف تعيد بناء المقابر الملكية؟ كيف تتحول البيانات الرقمية إلى خرائط للحزن القديم، ثم إلى فهمٍ لطرائق البشر في توديع موتاهم؟ كانت مداخلتها أشبه بقصيدة مرثية، تليها كاهنة تعرف أن الموت ليس نهاية، بل بداية لعلاقة جديدة بين الإنسان والأرض. تلك المقابر التي ظلت قرونا تحرس أسرارها، بدأت اليوم تتحدث بلغة الأرقام، وتتراقص صورها على شاشات العرض كأطياف جميلة لا تخيف، بل تلهم.
ثم كان زيد مصيلم من المعهد الوطني للتراث التونسي، حاملا معه مشروعا طموحا: الخريطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية في تونس، باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والنظم المعلوماتية الجغرافية والجيوفيزياء. كان مشروعه أشبه بملحمة وطنية، تعيد فيها تونس ترتيب ذاكرتها، وتعلن للعالم أن أرضها ليست فقط مسرحا للربيع العربي، بل هي أيضا مسرح للحضارات التي لا تموت. كان حضوره تأكيدا على أن المتحدّرين من نفس الجذور الأمازيغية والبونية والرومانية، يجتمعون اليوم ليس ليتذكروا الماضي فقط، بل ليصنعوا وعيا جديدا بالتراث الذي يجمعهم.

وكانت المفاجأة الأكبر في مداخلة زين العابدين أوراغ ويوسف بوكبوت، اللذين قدما دراسة حول الاستمرارية الجينية في شمال غرب إفريقيا، من العصر الإيبيروموروسي إلى السكان الأمازيغ المعاصرين. كانت هذه المداخلة أشبه بافتتاح قبرٍ مقدس، حيث يكتشف العالم أن دماء الإنسان الذي عاش هنا منذ عشرين ألف عام لا تزال تجري في عروق أبنائه اليوم. لم يكن الأمر مجرد بحث في الحمض النووي، بل كان بيانا شعريا عن أن هذه الأرض لا تعرف الغرباء، وأن من يظن أن الأمازيغ جاءوا من مكان آخر، إنما يقرأ التاريخ من غير لغته.
وفي جلسة المساء، أبحرنا مع ماكس فيدرلينغ ورفاقه في أعماق البحر، حيث تستقر المدن الغارقة والسفن التي لم تصل إلى مرافئها. Possibilities and Limitations of Non-Invasive Methods in Underwater Archaeological Research، كان عنوان مداخلتهم التي حملتنا إلى عوالم تحت الماء أشبه بأحلام منسيين، حيث التقى علم الآثار مع علم المحيطات، وحيث صار السونار عينا ثالثة ترى ما لا تراه عيون البشر. كانت كأنها رحلة في مملكة بوسيدون، حيث الحضارات تنام تحت أغطية من المرجان، وتنتظر من يوقظها بلطف، دون أن يجرحها، ودون أن يسرق منها سرّ صمتها الجميل.

وفي صباح اليوم الثاني، 28 مارس 2026، كانت جلسة LIDAR-Prospection تحت رئاسة عبد الواحد بن ناصر وكارلو تشيتر، أشبه بلحظة كشف النقاب عن عرائس مخبأة. تقنية الليدار، التي ترسل أشعة الليزر من الجو لتقرأ ما تحت الغطاء النباتي، كانت كعين الصقر الإلهي التي ترى ما لا تراه البشرية.
كارلو تشيتر من جامعة سيينا، قادنا في رحلة عبر المناظر الطبيعية المتغيرة في تسكانة وكالابريا، كأنه يقرأ في كتاب الأرض المفتوح على مصراعيه. وإيمانويل بابي، مدير المدرسة الإيطالية بأثينا، حملنا إلى مدن المغرب عبر الزمن، من ليكسوس إلى زيلا إلى لاموسادا، ليؤكد أن هذه المدن لم تكن يوما هامشا، بل كانت مراكز إشعاع حضاري كانت تنتظر فقط من يقرأها بعين غير غازية.
أما ستيفانو كامبانا، فكانت مداخلته أشبه بمرثية فلسفية حول الفجوات المكانية والزمنية: هل الغياب في السجل الأثري هو غياب حقيقي، أم هو عمى متعمد؟ أم هو غياب الاهتمام؟ طرح أسئلة ثقيلة، جعلت الحضور يعيدون التفكير في مفهوم “الفراغ” في التاريخ، وما إذا كان الفراغ مجرد صمت يليق بأسرار لم يحن وقت كشفها بعد.

ولعلّ أجمل ما في هذا المؤتمر، أنه لم يكن احتفاء بالعلم فقط، بل كان احتفاء بوجدة نفسها، بتلك المدينة التي تقف على تخوم الصحراء، حارسة لذاكرة الشرق المغربي. خرج المشاركون في يومه الثالث، 29 مارس 2026، في رحلة إلى تالوغالت وإلى البيت الريفي في بني سناسن، برفقة حسن الطالبي ونزهة بودهو، ليروا كيف تتحول المعرفة النظرية إلى عشق حقيقي للأرض.في تلك الرحلة، لم يكونوا علماء يرتدون بدلات رسمية، بل كانوا حجاجا يمشون على تراب قد يكون قد مشى عليه الفينيقيون والرومان والموحدون، يتأملون كيف يمكن للتراث أن يكون رافعة للتنمية، وكيف يمكن لمدن مثل جرادة، التي تنام على كنوز أثرية، أن تستيقظ على وقع مثل هذه المؤتمرات.
رحلة أشبه بقصيدة بصرية، عن إعادة بناء المشاهد الثقافية من خلال عيون الأركيولوجيا غي الجارجة. كأن تلك القصيدة تقول لنا: إن الأرض التي تخبئ هذه الكنوز لا يمكن أن تكون أرضا عادية. تلك التي نبعت من أرضيات القصور والكنائس والحمامات، ليست مجرد ذخيرة، بل هي روايات مصوّرة لتاريخ شعوب، ونوافذ تطل على أرواح من سكنوا قبلنا أرض المغرب الشرقي المباركة. ما قامت به إبنة المهجر والمنطقة الشرقية نزهة بودهو بمباركة رئيس الجامعة الدكتور ياسين زغلول نداء لإنقاذ الجمال من غبار النسيان، وتحويل المتاحف إلى فضاءات حية تتنفس، حيث تصير الأركيولوجيا جسرا بين الزائر وبين جذوره المنسية.

هكذا، في هذه الأيام الثلاثة، أثبت المغرب مرة أخرى أنه ليس مجرد بلد يمتلك تاريخا، بل هو بلد يعرف كيف يحول تاريخه إلى مشروع مستقبلي. جمع هذا المؤتمر بين التكنولوجيا الأكثر حداثة وأقدم الأسئلة الإنسانية، بين العلماء الذين يقرؤون الحمض النووي والعلماء الذين يقرؤون الحجارة، بين من ينظرون إلى السماء بالليدار ومن يغوصون في أعماق البحر بالسونار. كان المؤتمر بمثابة إعلان صريح: نحن هنا، نحن وريثو هذه الحضارات، ولن نترك تراثنا يموت في صمت. نحن نفتح أبواب جامعاتنا للعالم، ونمد جسور التعاون مع كبرى المراكز البحثية في أوروبا، لأننا نعلم أن المعرفة لا وطن لها، لكن أصحاب المعرفة لهم وطن، وهذا الوطن يستحق أن يكون في قلب كل مشروع علمي كبير.
في مشهد أخير، حين انتهت الجلسات وتلاشت الكلمات، بقيت في الأرواح تلك النشوة التي لا تأتي إلا من لقاء حقيقي بين العقول والقلوب. بقيت صورة رئيس الجامعة ياسين زغلول وهو يستقبل الضيوف كأنه يستقبل أنبياء المعرفة، وبقيت صورة نزهة بودهو وهي تقف على أرض بني يزناسن، كأنها تقول للأرض: لقد أوفينا لك بما وعدناك. وهكذا، لا يمكن وصف هذا المؤتمر إلا بأنه كان أكثر من مجرد حدث علمي. كان طقسا كونيا أعاد وصل ما انقطع، وكان أسطورة حية تكتب اليوم، وكان رسالة إلى العالم: أن المتوسط سيبقى بحرا للحوار لا بحرا للصراع، وأن العلم سيبقى أقوى من كل ما يحاول تفريقنا. فلتخلد هذه الأيام الثلاثة في ذاكرة كل من حضرها، ولتكن بداية لمسيرة جديدة من التعاون العلمي، حيث تلتقي ضفاف المتوسط ليس على فرضيات السياسة، بل على يقين المعرفة التي لا تعرف الحدود. وهكذا يكتب المجد: لا بالحبر، بل بالأثر الذي لا يمحى.


يعد المغرب قوة اقتصادية بفضل احتياطي عالمي.كمايتميز بالامارات ف الطاقات المتجددة (مشروع نور)واكتشافاته حديثة معدنية .الفضة والذهب. وامتللك تقديرات استكشافية .بينما قوة المغرب الحقيقية يمكن ان تستثمر ف سن سياسة قوة ذكية .