بقلم زكية لعروسي, باريس
يستيقظ الرجل على صوت لا يسمع. ليس طلقة، ليس صاروخا، لا. صوت داخلي، كأن ضلعا من أضلاعه ينمو في الاتجاه المعاكس. ينظر من نافذة غرفته الصغيرة، يرى السماء مقسمة: نصفها لنسر لا يطير، نصفها لغراب لا ينعق. والنصفان يتقاتلان منذ ألف عام. في البداية يضحك. ثم لا يضحك. يمسك ورقة، يكتب: “اليوم، قررت أن أكون الحزن نفسه.”في الطرف الآخر من المدينة، امرأة تجلس على كرسي مهترئ، تشرب قهوتها باردة. حزنها ليس أسودا، كما يعتقدون. إنه لون لم تره عين من قبل. لون يشبه الغروب حين يتذكر البحر أنه كان سماء. هي لا تبكي، لا. هي تفكّر. تفكّر في الفقد بوصفه إعادة ترتيب للعالم. وفي الخسارة كطريقة أخرى ليصبح القلب أكثر دقة. كل صاروخ يسقط في مكان ما من العالم، هي تشعر به كشرخ صغير في فنجانها. لا تنكسر، فقط تصبح أكثر شفافية.

الرجل يخرج إلى الشارع. الشارع هو قناة بين جبهتين. جبهة النسر التي ترفع شعار “العلو للعلو”، وجبهة الغراب التي ترفع شعار “الظل سلاح الفقراء”. هو يمشي في المنتصف، لا يحمل راية، يحمل فقط سؤالا: لماذا صار الطيران حربا؟ في حقيبته نسخة من “رسالة الغفران” لأبي العلاء، وعليها بقعة قهوة قديمة. يفتحها عشوائيا، يقرأ: “وإنما الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.” يغمض عينيه. يتخيل أرواح الإيرانيين والأمريكيين تتعارف. في الحلم، يضحكان معا. ثم يستيقظ.
المرأة تقف أمام المرآة. لا تريد أن ترى وجهها، تريد أن ترى ما وراء الوجه. هناك، في العمق، حزنها جالس كفيلسوف بلا لغة. الحزن لا يتكلم، لكنه يومئ برأسه كلما فكرت في الحرب. يومئ يقول: هذا ليس صراع نسر وغراب. هذا صراع بين من نسي أنه كان طيرا ومن لم يطر قط. تبتسم المرأة ابتسامة لا يراها أحد، ابتسامة تعرف فيها أن الحل ليس في الانتصار، بل في الارتقاء إلى نسخة منك لا يستطيع الآخرون البقاء فوقها. ثم تخرج القهوة.
الرجل يصل إلى مقهى صغير. المقهى يسمى “تحت ظل الجناح”، لكن لا أحد يعرف لمن الجناح. يجلس، يطلب قهوة سادة. إلى جانبه رجل عجوز يقرأ جريدة. العجوز يهمس: “تعرف، النسر والغراب أخوان. النسيان أخوهما الثالث.” الرجل ينظر إلى العجوز. العجوز يواصل: “النسر يظن أنه يطير لأنه قوي. الغراب يظن أنه يركب لأنه ذكي. وكلاهما ينسى أن السماء لا تنتمي لأحد. السماء مجرد مكان يمر فيه العابرون.” ثم يشرب العجوز قهوته في صمت. الرجل يريد أن يسأل: “من أنت؟” لكنه لا يسأل. لأنه يعرف الإجابة. العجوز هو هو بعد خمسين سنة.
في الطرف الآخر من العالم، في غرفة مليئة بالخرائط، جنرال يضع أصبعه على نقطة. يقول لمساعده: “هنا. اضرب هنا.” المساعد يكتب، يرسل الأوامر. ثم يعود للجلوس. فجأة، يشعر بشيء غريب. يشعر بالحزن. ليس حزنا على الموتى، لا. حزنا على نفسه. يتذكر أنه كان يحب الرسم عندما كان صغيرا. يتذكر أنه رسم ذات مرة نسرا وغرابا معا، تحت شمس واحدة. أمه علقت الرسمة على الثلاجة. ثم كبر. ثم صار جنرالا. ثم نسي الرسمة. يمسك قلمه، يرسم على هامش الخريطة نسرا صغيرا. بجانبه غراب. وتحتهما يكتب: “أنا آسف.” ثم يمحوها بسرعة.
المرأة تخرج إلى شرفة بيتها. تنظر إلى السماء. السماء فارغة. لا نسر ولا غراب. مجرد زرقة ثقيلة. هي تتنفس بعمق. فجأة، تشعر أن الحزن بداخلها يرفرف. ليس كألم، كجناح. جناح واحد فقط، لكنه يكفي لتحلق قليلا. قليلا فوق سطح المنزل، فوق المدينة، فوق كل الخرائط التي رسمها الجنرالات. هناك، في ذلك الارتفاع الصغير، لا تسمع شيئا. لا صواريخ، لا خطب، لا أخبار. فقط صفير هواء نادر كالصدق. تبتسم. ثم تهبط بهدوء. لا أحد رأى. لا أحد يعرف.
الرجل يغادر المقهى. يمشي ببطء. الحزن يمشي معه، ليس كظل ثقيل، كفكرة تتعلّم المشي. كل خطوة تعلّمه شيئا. الخطوة الأولى: أن الغراب لا يكره النسر، الغراب يكره أنه ليس نسرا. الخطوة الثانية: أن النسر لا يحتقر الغراب، النسر لا يفكر فيه أصلا. الخطوة الثالثة: أن الحرب بينهما ليست حربا، هي سوء فهم طويل. الخطوة الرابعة: أن السؤال “مع من أنا؟” هو أصل البلاء. الخطوة الخامسة: أن السماء لا تسأل.
في المساء، تعود المرأة إلى سريرها. تنام. تحلم حلما غريبا. تحلم أن دوستويفسكي وكافكا وكامو جالسون في مقهى صغير، يتناقشون. دوستويفسكي يقول: “الحزن هو وعي.” كافكا يقول: “لا، الحزن هو أن تستيقظ حشرة.” كامو يقول: “لا، الحزن هو أن تدفع الحجر.” ثم تظهر المرأة في الحلم، تضع فنجان قهوة على الطاولة، وتقول بهدوء: “الحزن هو أن تمشي خطوة خطوة، لا سباق، لا تعثر، لأن الحزن إيقاع، ومن يفهم الإيقاع لا يسقط.” الثلاثة يصمتون. ثم يصفقون. لكن التصفيق صامت. كأنه من بعيد.
في الصباح، الرجل يفتح عينيه. لا يعرف من يكون. لكنه يعرف شيئا واحدا: أن اليوم لن يختار. لن يقول “أنا مع النسر” ولا “أنا مع الغراب”. سيقول: “أنا مع من يتذكر أن السماء كانت مرة بيتا للجميع.” ثم يخرج. لا يحمل سلاحا، لا يحمل راية، يحمل فقط سؤالا. لكن السؤال هذه المرة مختلف. السؤال هذه المرة: “كيف أصير أنا السماء؟”
في الطرف الآخر من العالم، في قصر أبيض، وفي قصر آخر ليس أبيض، رجال ونساء يصرخون. يهددون. يرسلون طائرات. يكتبون بيانات. لا أحد منهم يعرف أن، في تلك اللحظة بالذات، امرأة في غرفة صغيرة تشرب قهوتها، ورجل يمشي في شارع لا نهاية له، وكلاهما اكتشف السر الذي لن تجده في أي تقرير استخباراتي: أن من يظن أنه النسر، هو غراب لا يعرف. ومن يظن أنه الغراب، هو نسر سقط مبكرا. وأن الحل الوحيد هو أن تصعد. تصعد وحدك. تصعد حتى لا يبقى أحد. ثم تصعد أكثر. هناك، حيث لا نسر ولا غراب، ستجد نفسك. لا جريحا، لا منتصرا، فقط أخف. أخف لأنك تذكرت أن السماء لا تحتاج شهودا. أخف لأنك فهمت أخيرا: أن تكون إنسانا، هو أن تحزن. وأن تحزن، هو أن تفهم. وأن تفهم، هو أن تصير قادرا على المشي. خطوة. خطوة. مع الحزن. مثل امرأة تعلمت أن الحزن ليس انكسارا، بل نغمة بطيئة تتعلّمها الروح حين يتعب المعنى من الوضوح.
وينتهي اليوم. لا أحد انتصر. لا أحد خسر. فقط الرجل نام. فقط المرأة نامت. فقط السماء بقيت مكانا جميلا ينام تحته المتعبون. وفي الصباح، سيستيقظ الجميع. النسر سيظن أنه نسر. الغراب سيظن أنه غراب. وأنت؟ أنت ستفتح النافذة. سترى الزرقة. ستشعر بشيء خفيف في صدرك. لن تسميه حزنا. لن تسميه فرحا. ستسميه: حكمة. وستمضي.
📲 Partager sur WhatsApp
لا ندري إلى أين تسير الأرض وما ومن عليها في هذا الصراع الكوني بين الحمار والدب ةالتنين. غير أن المؤشرات تشي بأن كثيرا من البشر، على رأسهم الأطفال، ذاهب إلى حتفه، يعاقبون على ” اللاشيء” قد اقترفوه، وتم إخراجه في سراديب تلك الكائنات التي تتكلم لغة ” الأنوار المظلمة”.