تفسر الجغرافيا السياسية لكرة القدم الطابع العالمي لهذه الرياضة، حيث لا يشك أحد في منسوب التشبيك والتداخل الشديد الذي أحدثته هذه الرياضة على مستوى العالم من خلال دينامية المؤسسات والشركات والجماعات والأفراد، خاصة أن مفهوم التماهي والانتماء الهوياتي الذي أصبح شديد التعقيد والتقاطع، فهو تارة يتسم بالعالمية وبتداخل الشعوب والجماهير العالمية فيما بينها، وتارة تشتد النعرات القومية وتتحول كرة القدم إلى ساحة صراع لإنجاز ما فشلت السياسة في إدراكه. كما طغت دينامية المؤسسات الدولية، كالفيفا، التي ساهمت في إقحام الرأسمال العالمي في إدارة المباريات الدولية التي تستقطب اهتمام الجماهير، ونمت ظاهرة المتابعة العالمية للمسابقات ودوريات كرة القدم التي تجني منها الفيفا مليارات الدولارات وتزيد من إدمان الشعوب واستمرارها في انتظار المباريات، في حين يعشش الفقر وتستمر الفوارق الكبرى بين دول الشمال والجنوب.
شئنا أم أبينا، ترتبط كرة القدم والسياسة طوال الوقت بفضل خصائصها العالمية والشعبية، وتكون هذه الرياضة موضوع انتعاش سياسي في خدمة الجغرافيا السياسية للدول. ومن أهم الأمثلة التاريخية أن فرانكو حين وصل إلى السلطة السياسية في إسبانيا عام 1939، لم يكن من أكبر مشجعي كرة القدم، ولكنه من باب الانتهازية دعم نادي أتلتيكو مدريد بتغلبه على البطل الإسباني من عام 1939 إلى عام 1953. وقد قام فرانكو بتغيير الاسم نفسه إلى «أتلتيكو» ليصبح النادي أكثر من القشتالية ويفضل لغة الباسك. منذ عام 1953، تم اتخاذ القرار بتفضيل ريال مدريد والبدء في المواجهة ضد نادي برشلونة، وابتكر شعار برشلونة «أكثر من نادٍ»، وهذا أيضًا ما أذكى التنافس الكبير بين ريال مدريد ونادي برشلونة، ومكن من تطوير القدرة وإنشاء إقطاعية المقاومة اللغوية والهوية في إسبانيا.
كانت العملية ناجحة تمامًا، حيث تألق ريال دي ستيفانو وإسبانيا فرانكو في أوروبا في إحراز خمسة ألقاب مهمة لبطل أوروبا بين عامي 1955 و1960.
تم استرجاع وتوظيف كرة القدم أيضًا بواسطة بعض القوى للعب دور المحفز في بعض الصراعات. هذه هي حالة «حرب كرة القدم» أو «حرب المائة ساعة» في عام 1969 ضد هندوراس والسلفادور، والتي تسببت في مقتل 3000 شخص، بالإضافة إلى وقف التعاون بالكامل في المنطقة.
وفي فرنسا، تم توظيف واضح واسترجاع الساسة والسياسة لكرة القدم. وفقًا لبعض المحللين، خدم فوز فرنسا سنة بكأس العالم 1998 في تعزيز صورة فرنسا غير العنصرية التي عادت إلى الظهور، والتي سمحت بتهدئة التوترات الاجتماعية والسياسية في موضوع الهجرة والاندماج.
يبدو أن الجغرافيا السياسية لكرة القدم تزداد تكثيفًا في الوقت الراهن، وراهنت على الدول الصاعدة في تحقيق الأرباح المرجوة وتحقيق بعض الإقلاع الاقتصادي لهذه البلدان. وتأرجحت دول البريكس حول مسألة كرة القدم بين مناصر لفكرة الاستثمار من منطلق الربح وبين متشائم لعدم جدوى الاستثمار في كرة القدم. إن احتضان دول البريكس، كجنوب إفريقيا لكأس العالم 2010، والبرازيل في 2014، وروسيا في 2018، كان هدف الفيفا منه إبراز تطور هذه البلدان على مدار منافسات كرة القدم. لكن خيبات الأمل كانت متعددة، حيث إن تأثير الحدث على إفريقيا الجنوبية كان ضعيفًا وشبه منعدم من الناحية الاقتصادية، وظلت موازنة البرازيل سنة 2014 تخضع للنقد المتواصل اعتبارًا لاستمرار التضخم وعدم خلق فرص عمل على المدى الطويل، ومواصلة التحريض على الفساد.
ومع هذا، لم تثنِ هذه المعطيات والمثبطات دولتين كقطر والصين من الاستثمار في قطاع كرة القدم، حيث استطاعت قطر في عام 2011، ومن خلال دعم صندوق استثمار قطري للاستثمار الرياضي (QSI)، شراء نادي باريس سان جيرمان وتحويله إلى أكبر نادي أوروبي، ثم تمكنت من خلال حملة ضغط مهمة وعالمية من الحصول على شرف استضافة كأس العالم 2022.
كما لعبت الصين دورًا أساسيًا في زعزعة استقرار سوق انتقالات اللاعبين بالكامل، حيث استطاعت الحصول على خدمات العديد من نجوم الكرة العالميين، ككارلوس تيفيز، أفضل أجر في العالم بعد ميسي ونيمار، وغيرهم من النجوم الذين تصل قيمتهم التسويقية إلى 38 مليون يورو للانضمام لنادي شنغهاي شينشوا.
ومع ذلك، تختلف الاستراتيجيات حسب الراهنية السياسية والاقتصادية، حيث قررت الحكومة الصينية بعد ذلك أن توقف كل سياسات المساعدة المالية عن الأندية الصينية، على أساس أن العودة إلى الاستثمار ليست مهمة وضرورية للاقتصاد الصيني.
لقد سعت قطر إلى تطوير نشاطها في تنظيم الملتقيات الرياضية والكروية، وهو العنصر الأساسي في القوة الناعمة القطرية، مما أدى إلى إغراقها في إثراء هذه السياسة وإنجاحها بشكل كبير، ذلك أن البلد تحول إلى قبلة المهتمين بكرة القدم وشركات الاستثمار، كما تكون فرصة للتسويق وتقديم إشارات ثقافية قوية ورسائل موجهة لكل ما يهمه الأمر. إن تنظيم قطر لكأس العالم وتنظيمها هذه السنة لكأس العرب 2025 اعتبر بمثابة تجميع حضاري لكل الشعوب العربية في ظل انهيار سياسي يعرفه الخطاب العربي على المستوى الرسمي وعلى مستوى صناعة القرار العربي، مع وجود العديد من الإكراهات الجيوسياسية.
وكان حفل افتتاح كأس العرب غنيًا بالعديد من الإشارات التي تشير إلى مجد وعظمة الأمة العربية الإسلامية. إذا اعتبرنا، مع المدرسة البنائية في العلاقات الدولية، أن صناعة القوة والقرار الدولي تُبنى على أساس التمازج الذي يطال البنى الهوياتية والوطنية، فقد نتفق على أن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وقد تكون قطر قد راهنت على الاستثمار في المصادر اللامادية للقوة، وكذلك على أهمية التعددية السياسية العالمية في تنويع صناعة القرار ومشاركة الدول الكبرى، على اعتبار أن بناء السياسات يبدأ من المواطن العادي، وأن العولمة الثقافية فشلت في مسح واستنساخ الثقافات المحلية.
على غرار قطر، يقدم المغرب نموذجًا مبتكرًا في صناعة القوة الناعمة في مجال كرة القدم، حيث أصبح الجانب الجيوسياسي للسياسة الرياضية المغربية أكثر بروزًا في المرحلة الحالية. فبعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، اتبع المغرب استراتيجية محكمة على أساس التغيير، وارتكزت دبلوماسيته الكروية على بناء علاقات قوية مع الدول الإفريقية، خاصة تلك الناطقة بالإنجليزية، وأصبحت شراكات الجامعة المغربية لكرة القدم تتجاوز الأبعاد الرياضية لتدعم أهدافًا أوسع، مثل موقف المغرب من قضية الصحراء عبر إحداث تغييرات كبيرة في قواعد الاتحاد الإفريقي.
إن احتلال المنتخب المغربي للمرتبة الرابعة في كأس العالم قطر 2022، وفوز المنتخب الوطني المغربي لفئة الشباب بكأس العالم، يوضح بالملموس نجاح المغرب في تكوين جيل من الشباب لا يشعر بعقدة النقص إزاء الدول المتقدمة في هذا المجال، ذلك أن الاستراتيجية الكروية عملت على تطوير البنية التحتية من ملاعب ومراكز التكوين التي تضاهي في إمكانياتها أعرق المدارس الكروية العالمية. والجدير بالذكر أن أكاديمية محمد السادس لكرة القدم ساهمت في صنع هذا النجاح بشكل كبير من خلال تخريج لاعبين من المستوى العالمي.
لا شك أن احتضان المغرب حاليًا لكأس إفريقيا، وبعد ذلك لاحقًا لكأس العالم 2030، سوف يكون نقطة فاصلة في تاريخ المغرب إذا ما تم استثمار هذه المحطة الرياضية العالمية، حيث سيتحول المغرب إلى قبلة العالم رياضيًا واقتصاديًا وثقافيًا، مما يستلزم استثمار هذه اللحظة التاريخية وتحويل المغرب إلى سوق عالمية رائجة قد نحقق منها فوائد ومزايا جمة، كما تكون فرصة سانحة للترويج للرأسمال الحضاري والثقافي للبلد المحتضن.
