صراع إيران: واشنطن-إسرائيل إلى حرب برية ؟

بقلم زكية لعروسي

تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتسم بتعقيد جيوسياسي عميق وتداخل قانوني دولي دقيق. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه إرسال قوات برية إلى إيران، معتبراً أن ذلك سيكون «مضيعة للوقت». هذا التصريح لا يعكس مجرد موقف عسكري تكتيكي، بل يعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث تتقدم أدوات الردع عن بُعد على حساب المواجهة المباشرة. وفي المقابل، تحاول الدبلوماسية الإيرانية دفع الولايات المتحدة نحو خيار التدخل البري، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وقانونية معقدة تشير تصريحات ترامب إلى اعتماد واشنطن على نموذج الحرب منخفضة المخاطر البشرية، والذي يقوم على:

الضربات الجوية والصاروخية الدقيقة – 

العمليات السيبرانية – 

الحصار الاقتصادي والمالي –

استخدام الحلفاء الإقليميين كقوة ميدانية –

هذا النمط من الحروب أصبح جزءاً من العقيدة العسكرية الأمريكية منذ حربي العراق وأفغانستان، بعد أن أثبتت العمليات البرية الواسعة كلفتها السياسية والاقتصادية المرتفعة. كما يسمح هذا الأسلوب للولايات المتحدة بالحفاظ على تفوقها العسكري دون الانغماس في حرب استنزاف طويلة داخل الجغرافيا الإيرانية المعقدة. في المقابل، يبدو أن طهران تسعى إلى سيناريو مختلف تماما. فالتصريحات  الإيرانية التي تؤكد الاستعداد لأي إنزال بري تحمل رسائل متعددة:

– إظهار الثقة العسكرية أمام الرأي العام الداخلي

– محاولة استدراج الولايات المتحدة إلى حرب برية قد تتحول إلى حرب استنزاف

– تعزيز الشرعية السياسية للنظام عبر خطاب “الدفاع عن السيادة”

من منظور استراتيجي، تدرك إيران أن التضاريس الجغرافية، وحجم السكان، وشبكة الحلفاء الإقليميين قد تجعل أي تدخل بري أمريكي مكلفا للغاية. من زاوية القانون الدولي، فإن أي تدخل بري أمريكي داخل إيران يثير إشكاليات قانونية جوهرية، أبرزها:

– مبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة

– حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية وفق المادة الثانية من الميثاق

شرعية التدخل التي قد تعتمد فقط على حالتين-: الدفاع عن النفس وفق المادة-51, وتفويض من مجلس الأمن الدولي.

وفي ظل الانقسام الدولي بين القوى الكبرى، فإن الحصول على تفويض أممي يبدو احتمالا ضعيفا، ما يجعل أي تدخل بري عرضة لجدل قانوني واسع. لا يمكن فهم الأزمة دون النظر إلى التوازنات الإقليمية. فالشرق الأوسط يشهد شبكة معقدة من التحالفات: تحالفات أمريكية مع دول خليجية وإسرائيل شبكة نفوذ إيرانية تشمل قوى إقليمية مختلفة حضور روسي وصيني متزايد في المنطقة. هذا التشابك يجعل أي حرب شاملة محفوفة بخطر التحول إلى صراع إقليمي واسع. في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الحرب الهجينة، التي تجمع بين: الضربات المحدودة المواجهات غير المباشرة الحرب الاقتصادية الصراع الاستخباراتي هذا النموذج يسمح للطرفين بتجنب الانفجار العسكري الكامل، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الضغط الاستراتيجي. إن الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فالحروب الكبرى لم تعد تحسم فقط في ساحات القتال، بل في مزيج من القوة العسكرية، والقانون الدولي، والاقتصاد السياسي، والتحالفات الجيوسياسية. وفي ظل عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية، فإن أي قرار بالتصعيد قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستظل المواجهة في إطار الحرب غير المباشرة، أم أن حادثا واحدا قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *