بقلم د. زكية لعروسي
إذا صحّت الروايات المتداولة حول استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي بعد عملية تعقب استخباراتي معقدة شاركت فيها CIA بالتنسيق مع إسرائيل ، فإن الشرق الأوسط لا يكون قد شهد مجرد عملية اغتيال سياسية، بل لحظة إعادة ضبط استراتيجية قد تمتد آثارها لعقود. إيران ليست دولة عادية في المعادلة الإقليمية، ومرشدها ليس مجرد منصب دستوري؛ بل هو محور توازن داخلي دقيق ومركز ثقل لشبكة نفوذ تمتد عبر حدود عدة دول. سقوط هذا المركز، إن ثبت، يعني اهتزاز العمود الفقري لنظام بني على مركزية القرار وتماسك العقيدة الأمنية. بالنسبة إلى الامم المتحدة United States، فإن اللحظة تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فواشنطن، التي سعت طوال أربعة عقود إلى احتواء إيران عبر العقوبات والردع غير المباشر، تجد نفسها – نظريا- أمام فرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة. إضعاف رأس النظام قد يربك مؤسسات الحرس الثوري ويخلق صراعا داخليا مكتوما حول الخلافة، ما يشتت طهران عن مشاريعها الإقليمية ويحد من قدرتها على إدارة شبكة حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذا التشتت، حتى لو كان مؤقتاً، يمنح الولايات المتحدة هامش مناورة أوسع لإعادة ترتيب توازنات المنطقة من دون الدخول في حرب شاملة.
التحليل الاقتصادي لا يقل أهمية عن السياسي. إيران، رغم العقوبات، ظلت لاعباً مؤثراً في سوق الطاقة، سواء عبر صادراتها المباشرة أو عبر قدرتها على تهديد الملاحة في الخليج. إضعافها يفتح الباب أمام سيناريوهين كلاهما يحمل منفعة محتملة لواشنطن: إما ارتفاع محسوب في أسعار النفط يعزز أرباح شركات الطاقة الأميركية، خصوصا منتجي النفط الصخري، أو إعادة توزيع لحصص السوق تسمح للولايات المتحدة وحلفائها بملء الفراغ. وفي لحظات التوتر الجيوسياسي، يميل المستثمرون إلى الاحتماء بالدولار وسندات الخزانة، ما يعزز موقع العملة الأميركية ويخفض كلفة التمويل الحكومي. غير أن المعادلة ليست خطا مستقيما نحو المكاسب. فالفراغ في الأنظمة شديدة المركزية غالبا ما يولد سلوكا غير متوقع. قد تدفع الصدمة القيادة الإيرانية البديلة إلى تصعيد محسوب لإثبات التماسك الداخلي، أو إلى تفعيل أدوات الرد غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين. أي اضطراب واسع في الخليج قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة تتجاوز السقف الذي يمكن للاقتصاد العالمي تحمله، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي. كما أن الفوضى الداخلية في إيران قد تفتح الباب أمام سيناريوهات عدم استقرار مزمن، وهو ما لا يخدم المصالح الأميركية طويلة الأمد إذا تحول البلد إلى ساحة صراع داخلي مفتوح.
سياسيا، قد تستثمر واشنطن اللحظة لدفع شركائها الإقليميين نحو ترتيبات أمنية أعمق، مستفيدة من تراجع قدرة طهران على الردع. دول الخليج، التي راقبت بحذر تمدد النفوذ الإيراني، قد ترى في هذا التحول فرصة لإعادة تموضع استراتيجي تحت المظلة الأميركية. كما أن إسرائيل ستجد في إضعاف خصمها الإقليمي الأكبر تعزيزا لصورة التفوق الاستخباراتي، ما يرسخ محورا أمنيا أكثر تماسكا. ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة، بل بقدرتها على إدارة ما بعدها. التاريخ الحديث يثبت أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة انهيار بنيته، وقد يؤدي أحيانا إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر صلابة. إذا استطاعت واشنطن إبقاء التصعيد ضمن نطاق يمكن التحكم به، واستثمرت اللحظة لإعادة فتح مسارات تفاوض بشروط جديدة، فقد يتحول الحدث إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد. أما إذا انزلق الإقليم إلى دوامة ردود الفعل غير المحسوبة، فقد يتحول الانتصار التكتيكي إلى عبء جيوسياسي جديد. قوة الولايات المتحدة لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى خصومها، بل بمهارتها في تحويل الصدمات إلى ترتيبات مستقرة. ما يجري – إن تأكدت كل تفاصيله – قد يكون بداية مرحلة تعيد رسم خطوط النفوذ في الشرق الأوسط، لكن الحكم النهائي سيتوقف على ما إذا كانت واشنطن قادرة على هندسة ما بعد الزلزال، لا الاكتفاء بإحداثه
