بقلم زكية لعروسي, باريس
في عصر لم تعد فيه الحروب تخاض فقط بالأسلحة، بل بالبيانات والظلال الرقمية، يتكشّف فصل جديد من صراع كونيّ يتجاوز الجغرافيا: صراع بين الذاكرة والاختراق، بين السيادة والسيطرة الخفيّة. حادثة اختراق البريد الإلكتروني لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ليست مجرّد واقعة أمنية عابرة، بل هي إشارة كاشفة عن تحوّل عميق في بنية القوة العالمية. فحين تمتدّ يد الاختراق -المنسوبة إلى جماعات قريبة من إيران- إلى رأس جهاز أمني بحجم FBI، فإن الرسالة لا تقرأ في سطور البيانات المسروقة، بل في ما وراءها: في الرمز، في التحدّي، في إعادة تعريف موازين الردع.
لم تعد الحرب مجرّد صدام بين جيوش، بل أصبحت كائنا هجينا يعيش في الفضاء السيبراني. هنا، لا تُقاس الانتصارات بعدد الدبابات، بل بعمق الوصول إلى خصوصيات الخصم. البريد الإلكتروني -ذلك الصندوق البسيط الذي نحمله في جيوبنا- تحوّل إلى خزنة أسرار، وإذا كسرت، انكسرت معها طبقات من الهيبة.
اختراق رسائل شخصية، حتى وإن كانت قديمة، يحمل دلالة رمزية:
– أن الماضي نفسه يمكن استدعاؤه كسلاح
– أن الزمن لم يعد خطا مستقيما، بل مخزنا قابلا للاقتحام
ما فعله القراصنة ليس فقط تسريب صور ورسائل، بل كتابة بيان سياسي بلغة رقمية. إنهم لا يخاطبون الجمهور ببيانات رسمية، بل بفضائح مسرّبة، وكأنهم يقولون: “نحن نراكم من الداخل، نقرأ ما كتبتموه لأنفسكم.” هذا النوع من الهجمات يحوّل الخصوصي إلى عام، والحميمي إلى أداة ضغط. إنه انقلاب في طبيعة الفضيحة: لم تعد أخلاقية بقدر ما هي جيوسياسية. تصريحات الجهات الرسمية بأن البيانات “قديمة وغير حساسة” تشبه محاولة ترميم زجاج مكسور بلغة بيروقراطية. لكن السؤال الأعمق ليس: ماذا سرّب؟ بل: كيف سرّب؟ ولماذا الآن؟
في عالم تخزَّن فيه حياتنا على خوادم بعيدة، يصبح الأمان وهما نسبيا. نحن لا نملك بياناتنا بالكامل، بل نستأجرها من بنية تحتية قد تتحوّل في أي لحظة إلى ساحة حرب. ربط الهجوم بما قيل إنه “ردّ” على إجراءات سابقة يكشف منطقا جديدا: الردع لم يعد يتطلب قصفا، بل اختراقا والانتقام لم يعد يحتاج إلى صواريخ، بل إلى كلمات مسروقة هنا، يصبح كل إجراء أمني شرارة محتملة لهجوم سيبراني مضاد، في دائرة لا نهائية من التصعيد الصامت.
نحن نعيش في عصر تتشابك فيه الدول كما تتشابك الخوادم، حيث يمكن لرسالة بريد إلكتروني أن تحدث صدعا دبلوماسيا، ولصورة قديمة أن تستدعى كرصاصة في معركة جديدة. اختراق بريد كاش باتيل ليس مجرد حادثة، بل هو مرآة لعالم لم يعد فيه “الخاص” آمنا، ولا “القوي” بمنأى عن الاختراق. عالم تدار فيه الحروب بصمت، لكن أصداءها تدوّي في كل شاشة. وفي هذا العالم، قد لا يكون السؤال: من يملك القوة؟ بل: من يملك الوصول؟
📲 Partager sur WhatsApp