في مجلس السلام: قراءة في ظلال الدبلوماسية

بقلم د. زكية لعروسي

في السياسة، لا يقال كلّ شيء صراحة، ولا تكتب الوقائع دائما بالحبر الظاهر. ثمّة ما يقرأ بين السطور، وما يستشفّ من نبرات البيانات، ومن صمت أفصح من الكلام. وفي خضمّ إعادة تشكيل موازين التأثير داخل دوائر السلم الإقليمي، بدا واضحا أن انضمام المغرب إلى أحد أهمّ فضاءات صناعة القرار كان نقطة تحوّل كشفت خرائط حسّاسة من الطموح والغيرة والمنافسة المكتومة.ليست المسألة مجرّد مقعد حول طاولة؛ فالمقاعد في الدبلوماسية ليست خشبا ومخملا، بل رمزية نفوذ، و اعترافا بشرعية الدور، وترجمة لرصيد من الثقة الدولية. وحين يمنح المقعد لمن استطاع أن يوازن بين الثوابت والمبادرات، بين الانخراط الهادئ والحضور الفاعل، فإنّ آخرين قد يرونه سحبا لوهج كانوا يطمحون إلى احتكاره.

في المشرق العربي، تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، ويثقل الإرث كاهل القرار. هناك من يعتقد أن الموقع وحده يمنح أحقية الوساطة، وأن القرب من النار يؤهّل لحمل خرطوم الإطفاء. غير أنّ التجربة أثبتت أن الوساطة ليست جغرافيا بقدر ما هي ثقة، وليست شعارا بقدر ما هي قدرة على الجمع بين المتخاصمين دون أن تميل الكفّة. لقد شهدت المنطقة أدوارا متباينة؛ بعضها سعى إلى لعب دور الوسيط، وبعضها اكتفى بإدارة الحدود والممرّات وفق حسابات الأمن القومي الضيّق. وفي حالات الحصار والاختناق، يصبح المعبر أكثر من بوابة؛ يتحوّل إلى اختبار أخلاقي وسياسي في آن واحد. وحين تتعقّد المآسي، لا يقاس الدور بعدد التصريحات، بل بمدى تخفيف الألم. في زمن تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، قد يغري البعض الاعتقاد بأنّ الدعم المالي يشتري النفوذ، وأنّ المساهمات السخية تفتح أبواب القرار. غير أنّ التجربة الدولية تُظهر أن المال، مهما بلغ، لا يعوّض غياب الإجماع حول النوايا، ولا يمحو الالتباس في الاصطفافات.

إنّ الدولة التي تستضيف أطرافا متنازعة على أرضها تجد نفسها في موقع دقيق: بين الرغبة في لعب دور الجسر، ومخاطر أن ينظر إليها باعتبارها طرفا بحكم الاستضافة. وحين تتشابك التحالفات الكبرى، تصبح الحسابات أكثر تعقيدا؛ فالمصالح الاستراتيجية للقوى العظمى لا تدار بالعواطف، بل بمنطق التوازنات الباردة. وسط هذا المشهد المتشابك، اختار المغرب طريقا مختلفا: سياسة النفس الطويل، والانخراط الهادئ في مبادرات إنسانية، دون صخب ادعائي. حين اشتدّ الحصار، تحرّكت الجسور الجوية، لا لتسجيل النقاط، بل لإثبات أن التضامن يمكن أن يكون فعلا لا شعارا. هذا النهج لم يأت من فراغ؛ إنه امتداد لعقيدة دبلوماسية ترى في الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة، وفي التوازن الإفريقي رافعة استراتيجية. ومن ثمّ، فإنّ قبول المغرب في دوائر السلم لم يكن هدية، بل نتيجة تراكم. فكيف إذن نقرأ اعتراض البعض. لهذا الدور؟

الجواب ليس في البيانات الرسمية، بل في علم النفس السياسي. حين تشعر دولة ما بأنّ دورها التقليدي يتآكل، أو أن الضوء يتحوّل إلى زاوية أخرى من المسرح، فإنّ ردّ الفعل قد يتخذ أشكالا إعلامية أو دبلوماسية توحي بالاستياء دون التصريح بأسبابه الحقيقية. وقد تتقاطع المصالح الظرفية بين أطراف متباينة، فينشأ نوع من التلاقي التكتيكي في مواجهة صعود فاعل جديد داخل الساحة الإقليمية. هنا لا يعود الخلاف حول غزة أو غيرها هو العنوان الأبرز، بل يصبح المقعد ذاته رمزا لإعادة توزيع النفوذ. التاريخ العربي حافل بمحطات تضامن عابر للحدود، قدّم فيها المغرب دعما عسكريا وإنسانيا لأشقائه في لحظات عصيبة. غير أنّ السياسة لا تُدار دائما بمنطق الذاكرة، بل بحسابات اللحظة. ما كان فضلا بالأمس لا يضمن امتيازا اليوم؛ فالدول تتحرّك وفق مصالحها، لا وفق دفاتر الامتنان. ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعا: هل الاعتراض على حضور المغرب مردّه خلاف حول آليات السلام، أم هو انعكاس لتحوّل أعمق في ميزان التأثير داخل العالم العربي وإفريقيا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *