بقلم زكية لعروسي، باريس
في زمن لم يعد فيه القبح طبيعيا، ولا الجمال بريئا، تروى حكاية تكاد تُشبه الهذيان: جِمال في عمان تقصى من مسابقة جمال… لأنها خضعت لعمليات “تجميل”. نعم، لقد امتدّت يد الإنسان، تلك التي لم تكتف بتغيير وجهه، إلى وجه الحيوان نفسه. حقنت الشفاه، نفخت الخدود، عدّلت الملامح…كأن الصحراء لم تعد كافية، وكأن الشمس والرمل والريح لم تعد تصنع جمالًا يرضي أعينا اعتادت الزيف.
أيّ عالم هذا؟عالم يساء فيه حتى إلى “قبح” الحيوانات، ذلك القبح النبيل الذي لم يكن يوما قبحا، بل تنوّعا، بل حكمة شكلية صاغتها الطبيعة بعناية لا تخطئ.الجمل، ذلك الكائن الذي لم يعرف المرآة،الذي لم يسأل يوما: “هل أنا جميل؟”
يساق اليوم إلى عيادات خفية، ليعاد تشكيله وفق معايير لا يفهمها، ولا يحتاجها.

هنا، لو بعثنا الجاحظ من رماده، لوقف مذهولًا، ثم ضحك ضحكته الساخرة التي تخفي حكمة لاذعة.أليس هو من كتب في كتاب الحيوان عن طبائع الكائنات، عن اختلافها، عن أسرار أشكالها، عن الجمال الكامن في غرابتها؟ ماذا كان سيقول لو رأى جملا يحقن ليصبح “أجمل”؟ ربما كان سيقول، بلغة تمزج الهزل بالحكمة:
“لقد بلغ الإنسان من فساد الذوق مبلغا، حتى لم يرض بما خلق الله، فصار يقوّم الخِلقة كمايقوّم اعوجاج الرمح، لا لخلل فيها، بل لخلل في عينه.”
إن ما حدث ليس حادثة طريفة كما قد يبدو،بل عرض لمرض أعمق: مرض العولمة الجمالية. حيث لم يعد الجمال محليا، ولا طبيعيا، ولا متجذرا في بيئته، بل صار قالبا واحدا يفرض على كل شيء: على الإنسان، ثم على الحيوان، وغدا… ربما على الطبيعة نفسها.
الجمل، في الصحراء، ليس مجرد حيوان.إنه قصيدة من صبر، تمثال من تحمّل، كائن صاغته القسوة ليكون مناسبا لها. حدبته ليست عيبا،وشفاهه ليست بحاجة إلى “تحسين”، وعيناه، المظللتان بغبار الرحلات، ليستا مشروع تجميل. لكن الإنسان، حين ينسى علاقته الأولى بالطبيعة،
يتحوّل إلى مصمّم عبثي للوجود. وهنا تكمن المفارقة السوداء: نحن لا نحاول أن نجعل الجمل أجمل…بل نحاول أن نجعله يشبه تصوراتنا المريضة عن الجمال. أي أننا لا نصلح الحيوان، بل نخفي عجزنا عن رؤية الجمال فيه. لو عاد الجاحظ لكتب فصلا جديدا، ليس عن الحيوان… بل عن الإنسان. عن هذا الكائن الذي لم يعد يحتمل الطبيعة كما هي، فراح يحقنها، يجمّلها، يعيد تشكيلها، حتى فقد القدرة على الدهشة.أيّ عالم هذا؟
عالم تقصى فيه الجِمال لأنها “جميلة أكثر من اللازم”، لأن جمالها لم يعد طبيعيا، بل مفبركا، محقونا، مزيّفا.
عالم يُعاقب فيه الحيوان…على خطيئة الإنسان. ربما لا تحتاج الجِمال إلى الدفاع عن نفسها، بل نحن من نحتاج إلى الدفاع عن إنسانيتنا. لأن الكارثة ليست أن جملا حقن بالبوتوكس، بل أن إنسانا ظنّ، للحظة،أن الطبيعة… ناقصة.
