حين تنقذ ضربة جزاء ضائعة ما هو أعظم من مباراة
موتو، دياز… والعظمة الخفية لكرة القدم
بقلم ماركو باراطو وبتصرف زكية لعروسي
يحب عالم كرة القدم أن يقدّم نفسه بوصفه لعبة بسيطة، تحكمها قواعد واضحة، وتحسم وقائعها بأرقام لا تقبل التأويل: إمّا أن تعبر الكرة خط المرمى أو لا، وإمّا أن يولد بطل أو يسقط آخر. غير أنّ بعض المباريات تأبى أن تختزل في مستطيل أخضر أو نتيجة نهائية، فتتجاوز حدود الرياضة لتغدو لحظات كثيفة الدلالة، مشحونة بالسياسة والمجتمع والإنسان. ولعل ضربتي الجزاء اللتين أهدرهما أدريان موتو عام 2008، وإبراهيم دياز في نهائي كأس أفريقيا، تمثّلان أبلغ مثال على هذا البعد المستتر للعبة.
في عام 2008، جرت مواجهة إيطاليا ورومانيا في مناخ مشحون إلى حدّ الاختناق. كانت إيطاليا آنذاك تشهد موجة عنيفة من العنصرية الموجّهة ضد الرومانيين: اعتداءات جسدية، إحراق ممتلكات، وخطابات سياسية علنية تُغذّي الكراهية وتشرعن الإقصاء. في مثل هذا السياق المتفجّر، لم تكن المباراة مجرّد تسعين دقيقة، بل مرآة لمجتمع متصدّع. وكان إنتصار روماني، خصوصا لو أتى من ضربة جزاء حاسمة، كفيلا بأن يفسَّر على أنّه إستفزاز رمزي، وربما شرارة جديدة تذكي نار العنف.
عندما تصدّى جانلويجي بوفون لتسديدة أدريان موتو، تجمّد العداد عند التعادل. بدا الأمر عاديا في ظاهره، لكنه لم يكن كذلك. فقد تحوّل ذلك الإخفاق، بأثر رجعي، إلى لحظة فرملة تاريخية، حالت – ولو جزئيا- دون إنفجار إجتماعي كان وشيكا.
وبعد ما يقارب عقدين من الزمن، أعادت كرة القدم كتابة المشهد ذاته، وإن إختلفت الجغرافيا. نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والسنيغال جرى هو الآخر تحت ضغط هائل، يكاد يلامس حافة الانفجار. ضربة الجزاء المحتسبة للمغرب فجّرت موجة غضب عارمة: إحتجاجات صاخبة، تهديدات بمغادرة الملعب، وتوتّر بلغ مداه في المدرجات، وإمتد صداه إلى الشوارع وفضاءات الجاليات
في الخارج. مرة أخرى، إقتربت اللعبة الشعبية الأولى من التحوّل إلى فتيل فوضى. وحين أخطأ إبراهيم دياز تسديدته، ضاع لقب، وتبدّد حلم مجد شخصي كان قاب قوسين أو أدنى. لكنه، في المقابل، حال دون إنزلاق المباراة إلى فوضى لا يمكن حصر عواقبها، لا في المغرب ولا في محيطه الأوسع.
قد تختزل الذاكرة السطحية هاتين اللحظتين في خانة الإخفاق، وتسارع إلى وسم صاحبيهما بعار التفريط في اللحظة الحاسمة. غير أنّ هذا الحكم، وإن بدا سهلا، يظلّ قاصرا وجائرا. لقد دفع موتو ودياز ثمنا باهظا: نقدا لاذعا، شكوكا قاسية، وربما ندوبا لا تمحى في صورتهما العامة. لكنّ ضربتي الجزاء الضائعتين حملتا، في جوهرهما، معنى أسمى من النتيجة.
لقد ضحّى اللاعبان بوعي أو من دونه بمجد شخصي، وبراحة نفسية، وبمكانة كانت مضمونة، حفاظا على توازن جماعي هشّ. لا بوصفهما أبطالا أسطوريين خطّطوا للفشل، بل كرجلين وجدا نفسيهما في لحظة يكون فيها الانتصار أثقل كلفة من الهزيمة.
في عالم تستغل فيه الرياضة بلا هوادة من قبل السياسة، وتشحذ فيه الهويات على إيقاع الأهداف والانتصارات، يغدو الامتناع عن إشعال الشرارة، حتى لو جاء عرضا، فعلا من أرقى أفعال المسؤولية. وهنا يتحوّل “الإخفاق” إلى درس في النضج، وإلى شكل نادر من الشجاعة الأخلاقية.
موتو عام 2008، ودياز عام 2026، ليسا مجرد لاعبين أرهقتهما ضغوط ضربة جزاء. إنهما شاهدان على حقيقة مزعجة: ليست كل الانتصارات مرغوبة، وليس كل فوز نعمة خالصة. فبعض الألقاب قد تدفع أثمانها من السلم الأهلي، وبعض الأهداف قد تسجّل في مرمى الإنسانية ذاتها.
وفي زمن مولع بالأبطال السريعين والحكايات المبسّطة، يذكّرنا هذان اللاعبان بأن العظمة الحقيقية قد تسكن لحظة الخسارة، حين يختار الإنسان أو يقاد إلى أن يخسر كي لا يخسر الآخرون أكثر. لذلك، لا ينبغي أن تطوى صفحة هاتين الضربتين في هوامش تاريخ كرة القدم، بل أن تقرأ بوصفهما لحظتين من أندر لحظات النضج الإنساني، وأكثرها عمقا ودهشة.
