واشنطن وبروكسل: الهيمنة الطاقية والمناخ

بقلم د. زكية لعروسي

في زمن تتكسّر فيه المرايا الكبرى للنظام الدولي، وتتشظّى اليقينيات التي حكمت الغرب منذ نهاية الحرب الباردة، تعود واشنطن لتصوغ خطابا حادا في وجه أوروبا، خطابا لا يكتفي بالاختلاف في السياسات، بل يلامس تخوم التشكيك في البنية الفكرية التي قامت عليها التجربة الأوروبية ذاتها. لم تعد المسألة مجرّد سجال حول الطاقة أو المناخ؛ إنها مواجهة سرديّات. سرديّة أوروبية ترى في التحوّل الأخضر وعدا أخلاقيا وحضاريا، وسرديّة أمريكية جديدة تعتبر ذلك التحوّل نوعا من الترف الإيديولوجي الذي ينهك الاقتصاد ويقوّض السيادة الطاقية.

الانتقادات الأمريكية الأخيرة للسياسات المناخية الأوروبية ليست فقط اعتراضا تقنيا على نسب الانبعاثات أو سرعة الانتقال إلى الطاقات المتجددة، بل هي اتهام ضمني بأن أوروبا انزلقت من البراغماتية إلى العقائدية. في هذا المنطق، لم يعد “الحياد الكربوني” مشروعا بيئيا، بل عقيدة سياسية ذات كلفة اجتماعية باهظة. من زاوية واشنطن الجديدة، يبدو أن أوروبا قد راهنت على هندسة أخلاقية للاقتصاد، بينما راهنت الولايات المتحدة على إعادة تعريف الواقعية: إنتاج أكثر، تنقيب أوسع، تقليل القيود، واستعادة مركز الثقل الصناعي. وهنا يتبدّى جوهر الخلاف: هل تقاس القوة في القرن الحادي والعشرين بمعدلات الانبعاثات المخفّضة أم بحجم الإنتاج واستقلال القرار الطاقي؟ أوروبا، في سعيها إلى ريادة بيئية عالمية، إختارت أن تكون “ضمير العالم”. لكن الضمير، في ميزان الجغرافيا السياسية، لا يضمن دائما التفوق الاستراتيجي. وعندما ارتفعت أسعار الطاقة، واهتزّت سلاسل التوريد، واشتدّت الحرب في شرق القارة، بدا وكأن المثال الأخلاقي الأوروبي اصطدم بصلابة الواقع.

من أخطر ما يلوّح به الخطاب الأمريكي هو الربط بين السياسات المناخية الأوروبية وبين هشاشة القارة في مواجهة روسيا. هذا الربط ليس عابرا؛ إنه محاولة لإعادة تفسير السنوات الماضية باعتبارها مسارا نحو الارتهان لا الاستقلال. حين خفّضت بعض الدول الأوروبية استثماراتها في الطاقة التقليدية، لم يكن البديل المتجدد قد بلغ بعد درجة الكفاية. فبقيت الفجوة، وسدّتها واردات الغاز. وهنا، في تلك الفجوة تحديدا، يتسلل النقد الأمريكي: “أنتم لم تنتقلوا إلى المستقبل، بل علّقتم أنفسكم بين نموذجين”. غير أن الصورة أكثر تعقيدا. فالقارة العجوز لا ترى في التحول الأخضر مجرّد سياسة اقتصادية، بل خيارا وجوديا في عالم تتسارع فيه الكوارث المناخية. بالنسبة لصانع القرار الأوروبي، تكلفة التحول اليوم أقل من كلفة الفوضى المناخية غدا. أما واشنطن الجديدة، فتميل إلى مقاربة أكثر آنية: الأولوية للنمو الفوري، والوظائف، واستعادة الهيبة الصناعية.

التصريحات الأمريكية الأخيرة تعبّر عن عودة واضحة إلى قومية اقتصادية صريحة. إنها تقول لأوروبا، بلغة غير دبلوماسية: “لا تحمّلوا كاهلكم ما لا تحتمله أسواقكم. لا تتقدموا الصفوف في معركة لم يتفق العالم بعد على قواعدها”. وفي هذا السياق، يفهم الهجوم على المؤسسات الدولية المعنية بالطاقة والمناخ باعتباره جزءا من إعادة ترتيب الأولويات: من “الإنقاذ الكوني” إلى “المصلحة الوطنية أولا”. إننا أمام تحوّل في فلسفة القيادة الأمريكية؛ من قيادة معيارية تسعى إلى تشكيل النظام العالمي عبر الاتفاقيات، إلى قيادة تفاوضية مشروطة بالمكاسب المباشرة.

غير أن السؤال الأكثر إثارة ليس في ما تقوله واشنطن، بل في ما تكشفه هذه اللحظة عن أوروبا نفسها. هل تستطيع القارة أن تحافظ على طموحها البيئي دون أن تخسر قدرتها التنافسية؟ هل يمكن الجمع بين ريادة أخلاقية وصلابة صناعية؟التحدي الأوروبي اليوم ليس الرد على الانتقادات، بل إعادة صياغة معادلة القوة: طاقة نظيفة، نعم، لكن بأسعار معقولة؛ استقلال استراتيجي، لكن دون انغلاق؛ تحالف عابر للأطلسي، لكن لا على حساب القرار السيادي. إن ما نشهده ليس خلافا بين ضفتين، بل مفترق طرق حضاري. فإما أن يثبت النموذج الأوروبي أن التحول الأخضر يمكن أن يكون محركا للنمو لا عبئا عليه، وإما أن يعاد تعريف الواقعية الدولية بمنطق أكثر خشونة وأقل اكتراثا بالكوكب. ليست المعركة حول المناخ فقط، بل حول تعريف القوة ذاتها: أهي القدرة على الإنتاج بلا قيود، أم القدرة على إعادة هندسة المستقبل ولو بكلفة باهظة؟ بين هذين التصورين يتأرجح الغرب، وتعاد كتابة ملامح القرن الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *