الأمير أندرو وشبكة ابشتاين

بقلم د.زكية لعروسي

في كل مرة تتقاطع فيها السياسة بالمال، يتكاثف الهواء حولنا. تصبح الأخبار مثل غبار ذهبيّ يخنق الرئة، وتتحوّل الوقائع إلى مرايا مشروخة تعكس وجوها متعدّدة للحقيقة. قضية الأمير أندرو (Prince Andrew) المرتبطة بشبكة جيفري إبستاين(Jeffrey Epstein) ليست مجرد خبر عن توقيف أو إفراج؛ إنها مشهد من مسرح أوسع، حيث تتشابك السلطة بالثروة، ويجلس التاريخ في الصفّ الأوّل، بلا عاطفة، يدوّن.

1) المال كظلّ للسلطة

المال ليس بريئا. إنه ليس أداة فحسب؛ هو ظلّ السلطة، وقرينها الصامت. حين يقترب السياسي من الثروة، لا يقترب من الرفاه، بل من شبكة علاقات غير مرئية. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) كان يرى أن السلطة ليست منصبا، بل شبكة علاقات تتسرّب إلى كل زاوية. والمال أحد أكثر خيوطها لمعانا وخطورة. فهل يملك السياسي رفاهية الصداقة؟ وهل يمكن أن يظلّ أبيضا إذا لامسته يد رأس مال أسود؟

2) التاريخ: قاض بلا قلب

يقال إن السياسة فنّ الممكن، لكن التاريخ فنّ الحساب. التاريخ لا ينسى، ولا يرحم، ولا يعرف الأخلاق بالمعنى العاطفي. إنه يقيس النتائج لا النوايا. كم من مسؤول ظنّ أن الصداقات ستحميه، فإذا بها أول من ينسحب حين تشتدّ الريح؟
في العبارة الشعبية لأمي خيرة : “الخلطة تَرْبِي والجْرْبْ يَعْدي.. ديرْ عَشَّكْ وَحْدَكْ أزَّعطوط أولْدي” تكمن حكمة قاسية. المخالطة السيئة عدوى مثل الجرب . من يخالط النار، يتشرّب رائحتها ولو لم يحترق. السياسة ليست مكانا للبراءة، بل حقل تماس دائم. والجرب – كما تقول الأم خيرة – يعدي. فكيف إذا كان الجرب منصبا ومالا وشهرة؟

3) هل يجب أن ينزل السياسي عن المسرح الاجتماعي والفني؟

السؤال أعمق مما يبدو. السياسي يعيش على المسرح. صورته جزء من سلطته. حضوره الاجتماعي والفني رأس مال رمزي كما يسميه بيير بورديو (Pierre Bourdieu). لكن حين تختلط الخشبة بالكواليس، ويتحوّل الفن إلى واجهة لتبييض العلاقات، يصبح المسرح فخا. الفلسفة السياسية الكلاسيكية — من نيكول ميكيافلي Niccolo Machiavelli إلى آنا آرندت Hannah Arendt — لم تطلب من السياسي أن يكون قديسا، لكنها حذّرته من فقدان الحكم. مكيافيلي قال: إحذر أن تُكره. آرنت قالت: الخطر حين يتحوّل الفعل السياسي إلى إدارة للفضائح بدل إدارة الشأن العام. فهل ينسحب السياسي من المسرح؟ أم يعيد تعريف حضوره بحيث لا يتحوّل الفنّ إلى ستار، ولا المجتمع إلى ديكور؟

4) الأخلاق: هل هي رفاهية؟

القول إن “السياسة بلا أخلاق” نصف حقيقة. السياسة بلا أخلاق شخصية قد تستمر، لكن بلا شرعية أخلاقية تسقط. الشرعية ليست قانونا فقط؛ هي شعور عام بأن من يحكم لا يتغذّى على هشاشة المجتمع. حين تتشابك السياسة بالمال، يصبح السؤال: هل يخدم المال الدولة، أم تخدم الدولة المال؟ وهل يمكن للسلطة أن تلمس الثروة دون أن تتلطّخ؟

5) العطر والعشّ: “دير عشك وحدك أزعطوط أولدي.”

العطر لا يخفي الرائحة إن كان مصدرها الجرح. العشّ الذي يبنى من ريش الآخرين يسقط مع أول ريح. السياسي، إن أراد النجاة، لا يحتاج إلى الانسحاب من المسرح، بل إلى تنظيف الكواليس. يحتاج إلى مسافة آمنة بينه وبين المال، وإلى وعي بأن التاريخ كاميرا لا تنام. ليس السؤال: هل السياسة بلا أخلاق؟ بل: كم ثمن الأخلاق حين تدخل بورصة السلطة؟
التاريخ لا يرحم. والسياسة لا تنسى. أما المال، فلا يعترف إلا بمصالحه. فمن يربح حين تشتبك الثلاثة؟ ومن يبقى واقفا حين ينطفئ الضوء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *