حين يُختزل الزليج… وتُنتفض الذاكرة المغربية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في غفلة من القراءة العابرة، وبين سطور إعلان قافيّ بدا للوهلة الأولى بريئا، انبثق سؤال كشرارة في هشيم الوعي: كيف يقدَّم الزليج، هذا الكائن الجمالي العتيق، على أنه مجرّد موزاييك مغاربي؟ أكون الزليج ظلا لغيره، أم هو شمس قائمة بذاتها، تضيء ولا تستعار؟ لقد كان اللقاء مع ذلك النص صدفة، لكنه من تلك الصدف التي توقظ فيك ذاكرة أعمق من الكلمات، وتستفز فيك إحساسا بأن شيئا ما قد أزيح عن موضعه، ولو بلطف لغويّ. الزليج، يا سادة، ليس مجرد تركيب قطع خزفية في انتظام بصريّ؛ إنه هندسة الروح قبل أن يكون هندسة المادة. إنه فعلُ تأمل يمارسه الحرفي المغربي وهو ينحت القطعة، لا ليملأ فراغا، بل ليعيد ترتيب الكون في مربّعات ومعيّنات ونجوم. في كل قطعة زليج، نبض يد، وصبر قرون، وذاكرة مدينة اسمها فاس، حيث ولد هذا الفن كفلسفة تترجم فكرة اللانهاية.

أما الموزاييك، فهو عالم آخر؛ فن عريق بلا شك، تقاسمته حضارات البحر الأبيض المتوسط، من الرومان إلى البيزنطيين، حيث ترصّع الأحجار والزجاج لتصوِّر مشاهد الحياة والآلهة والأساطير. هو فنّ الحكاية المصوّرة، بينما الزليج فنّ الصمت الهندسي. هناك، تحكى القصة؛ وهنا، يستدعى المطلق. الفرق ليس في المادة فقط، بل في الرؤية:

– في الموزاييك، القطعة تخدم الصورة.

– في الزليج، القطعة تذوب في نظام كونيّ لا بداية له ولا نهاية.

وإن كان السيراميك مادة، فإن الزليج روح سكنت تلك المادة، ورفعتها من مجرد طين محروق إلى لغة بصرية تكتب بلا حروف. إن اختزال الزليج في كونه “موزاييكا مغاربيا” هو، بلطف شديد، تعميم يخفي أكثر مما يُظهر. فالزليج لم يكن يوما مشتركا بالمعنى الذي تشاع به الفنون العابرة للحدود؛ لقد كان مغربيا في نشأته، في تقنيته، في سرّه الحِرفي الذي لا يُتلقَّن في الكتب، بل يُورَّث في الصدور وبين الأصابع. نعم، قد تتقاطع الفنون، وقد تتجاور الحضارات، لكن لكل فن بصمته التي لا تُخطئها العين الخبيرة. والزليج، ببساطته المعقّدة، وبصرامته الجمالية، وبنزوعه نحو اللانهاية، يحمل ختم المغرب كما تحمل المخطوطات توقيع ناسخيها.

إن الحديث عن الزليج ليس دفاعا عن مادة، بل عن معنى؛ ليس عن بلاطات ملوّنة، بل عن رؤية للعالم ترى في التكرار سبيلا إلى الكمال، وفي التناظر مرآة للانسجام الكوني.لذلك، حين نقرأ إعلانا يضع الزليج في خانة الموزاييك، لا نغضب بقدر ما نبتسم ابتسامة العارف، ونهمس: الزليج ليس ابن المصادفة، ولا تابعا لغيره… بل هو سيّد هندسة صاغها المغرب بيديه، وتركها شاهدا على أن الجمال، حين يولد هنا، لا يشبه إلا نفسه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *