دونالد ترامب يفتح النفط الروسي لإنقاذ السوق

بقلم زكية لعروسي

في خضم تصاعد الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، شهدت أسواق الطاقة العالمية هزة قوية انعكست مباشرة على جيوب المستهلكين الأمريكيين، حيث تجاوز سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة 3.40 دولار، أي ما يعادل تقريبًا 0.77 يورو للتر، في قفزة قياسية بلغت 30% خلال أسبوع واحد فقط منذ بدء الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية على إيران. هذا الصعود الصاروخي لم يترك مكانا للمراوغة، حتى بالنسبة لأقوى اقتصاد نفطي في العالم، الذي يقف اليوم أمام مأزق مزدوج: كونه أكبر منتج وأيضا أكبر مستهلك للنفط، ما يجعل أسواقه عرضة للتقلبات العالمية أكثر من أي وقت مضى. اللافت في هذه المرحلة هو الدور الذي اختار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لعبه في محاولة تهدئة الأسواق الداخلية، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى الحد من التضخم الذي أصبح يثقل كاهل الأمريكيين. فقد قرر ترامب، وسط ارتفاع أسعار النفط نتيجة تعطيل صادرات إيران من خلال حصار مضيق هرمز، تخفيف القيود على النفط الروسي، ما يعكس استراتيجية جيوسياسية ذكية لكنها محفوفة بالمخاطر: ربط توازن الأسعار العالمي بمورد كان حتى وقت قريب محظورا على السوق الأمريكية.

التحليل الجيو اقتصادي يكشف بوضوح أن هذا القرار يأتي في سياق انتخابات منتصف الولاية المقبلة، حيث يسعى ترامب إلى استرضاء قاعدة الناخبين الغاضبين من ارتفاع تكاليف المعيشة، معتمدا على رافعة النفط الروسي كأداة ضغط على الأسواق. في الوقت ذاته، تتصاعد المخاوف من أن استمرار النزاع في إيران قد يدفع سعر البرميل إلى مستويات قياسية تتجاوز 100 دولار، مع احتمال الوصول إلى 120 دولارا إذا لم يتم فتح مضيق هرمز في أقرب وقت. هذه التوقعات تعكس هشاشة سلاسل الإمداد العالمية للطاقة، لا سيما أن الدول المنتجة في الخليج، مثل السعودية والإمارات والعراق، بدأت بالفعل تخفيض إنتاجها أو تعليقه بسبب التأثير المباشر للضربات الإيرانية على بنيتها التحتية ومستودعاتها.

أما على الصعيد الداخلي، فإن الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغطا مزدوجا: التضخم المرتفع الذي يزيد من تكلفة الوقود والسلع الأساسية، وتراجع مؤشرات التوظيف، حتى في القطاعات التي وعد ترامب بإحيائها عبر سياسات الحمائية والرسوم الجمركية. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السياسة النفطية الجديدة، التي تشمل السماح للهند بشراء النفط الروسي المحظور مؤقتا، ليست مجرد محاولة لكبح أسعار الوقود، بل هي مناورة استراتيجية لإعادة ترتيب الأوراق في الأسواق العالمية، وربما لإعادة إحياء النفوذ الأمريكي على الإمدادات النفطية الدولية عبر شبكة معقدة من التحالفات والقيود الاقتصادية.

يبقى المشهد مفتوحا على كافة الاحتمالات: أسعار البنزين الأمريكية قد تشهد انخفاضا مؤقتا بعد انتهاء الأزمة، لكنها ستظل مرهونة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، حيث كل طلقة، وكل سفينة محتجزة، وكل قرار سياسي، يحمل في طياته تأثيرا مباشرا على محفظة المواطن العادي. الاقتصاد العالمي، على غرار لعبة شطرنج جيوسياسية، يتحرك وفق هذه الديناميكيات المعقدة، واللاعب الأكبر الآن ليس فقط من يملك النفط، بل من يعرف كيف يحركه في الوقت والمكان المناسبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *