من دخان السجائر إلى كؤوس اليأس

بقلم د. زكية لعروسي

باريس… في مشهد يليق بأسطورة إغريقية مقلوبة، حيث يهجر البشر معبودا ليعبدوا آخر أكثر فتكا، يكشف أحدث مسح صحي فرنسي عن تحول جذري في علاقة الفرنسيين بالمخدرات: تراجع قياسي في التدخين، مقابل عودة وحشية لشرب الكحول، بينما يرقد ثلث الأمة في فراش الاكتئاب. في متاهة السلوك البشري، حيث تلتقي الإحصاءات بالروح، تقدم الأرقام الصادرة عن مرصد المخدرات الفرنسي (OFDT) وهيئة الصحة العامة (Santé publique France) لوحة مرعبة لجيل يهرب من الموت الأبيض (التبغ) ليغرق في الموت الأزرق (الكحول)، وكأن الإنسان الفرنسي المعاصر يعيد تدوير طقوس انتحاره الصغير بيأس يومي متجدد.

قبل خمسة عشر عاما فقط، كان تسعة من كل عشرة طلاب في الثانوية الفرنسية قد لمسوا التبغ. اليوم، لم يعد يتجاوزون الثلاثة. إنه انتصار مذهل للحملات الصحية، لكنه انتصار مسموم. ففي عام 2024، لم يعد المراهقون يدخنون كما كان يفعل أجدادهم في مقاومة التحرير، ولا كما كان يفعل آباؤهم في احتجاجات مايو 1968. لقد تحول التبغ إلى شبح الماضي، لكن السيجارة الإلكترونية حلت محله كطوطم جديد: واحد من كل خمسة تلاميذ في المتوسط جربها، وغدت جزءًا من طقوس العبور إلى عالم الكبار، تماما كما كانت السيجارة التقليدية قبل جيل. لكن اللافت أن تراجع التبغ جاء مصحوبا بانخفاض في استهلاك القنب وغيره من المواد غير المشروعة. للوهلة الأولى، قد يهلل المرء لهذا الجيل “النظيف”. لكن الإحصاءات تخفي تحت جلدها البارد قصة أكثر قتامة. بين عامي 2022 و2024، وكأن الوباء لم يعلّم البشر شيئا، عادت نسبة من جربوا الخمر للارتفاع بين المراهقين. نصف تلاميذ المتوسط وسبعة من كل عشرة في الثانوية يعرفون طعم الكحول. إنها صحوة ديونيسوس الدموية، إله الخمر والمسرح والجنون في الميثولوجيا الإغريقية. ففي لحظة تاريخية يبدو فيها العالم خارجا عن السيطرة، يعود الإنسان إلى أقدم مخدر معروف: الإيثانول.

لكن المفارقة الأعمق تأتي من تقرير الصحة العامة: الطبقات الغنية تشرب أكثر. 29.7% من الأطر العليا يتجاوزون حدود الاستهلاك الآمن، مقابل 23.9% من العمال. إنه انعكاس مرآوي لعلاقة الطبقات بالمخدرات: الفقراء يدخنون (30% منهم مدخنون يوميون)، والأغنياء يشربون. وكأن الجسد المعذب يختار تخديره وفقا لموارده: النيكوتين رخيص وسريع، والخمر طقوس اجتماعية مكلفة، وكلاهما يؤدي إلى نفس النتيجة: الاكتوب. هنا يبدأ الجانب الغرائبي في هذه الملحمة الصحية. الفرنسي الذي يترك السيجارة ليمسك بالكأس، لا ينام جيدا. الكحول، ذلك الوهم الدافئ، هو في الحقيقة جلاد النوم العميق. يسرق من شاربه أحلام الريم ويمنحه غطيط الجثث. ومن لا ينام يمرض عقله. 15.6% من البالغين عانوا من نوبة اكتئاب في 2024. امرأة من كل خمس، وشاب من كل أربعة تحت الثلاثين. هذا الجيل الذي شهد إغلاق الحانات أثناء كورونا، ثم عاد إليها بشراهة، يدفع ثمن لياليه البيضاء بأيام سوداء. إنها حلقة فرنسية مفارقة: نشرب لننسى، وننسى كيف ننام، ومن الأرق نكتئب، ومن الاكتئاب نشرب أكثر.

في الأرق الليلي، حيث تتحول الغرفة إلى زنزانة والأفكار إلى شياطين، يكون الكحول هو المخرج الوهمي. لكنه مخرج يؤدي إلى شارع مسدود اسمه العنف. فالعلاقة بين الكحول والعدوانية موثقة كعلاقة اللهب بالبارود. كم من جريمة  عائلية بدأت بكأس، وكم من اعتداء جنسي تغذى بالخمر، وكم من انتحار سُبق بزجاجة فارغة؟ فرنسا بلد المفارقات. بلد شفرة أوكيتان وقصائد التروبادور، هو نفسه بلد أعلى نسب استهلاك للأدوية المهدئة في أوروبا. بلد المقاهي المفتوحة على الأرصفة، حيث يجلس الفلاسفة والكتّاب منذ عصر التنوير وهم يحتسون الخمر، هو نفسه الذي يكتشف اليوم أن كؤوسهم كانت مليئة بسموم بطيئة. منذ عهد لويس الثالث عشر الذي كان يشرب الخمر في قوارير ذهبية، مرورا بقرون كان فيها النبيذ الفرنسي أيقونة عالمية، وصولا إلى الرئيس السابق جاك شيراك الذي اشتهر بشرب البيرة في الصباح، ظل الكحول جزءا من الحمض النووي الفرنسي. لكن ما كان يرى ثقافة، أصبح اليوم وباء صامتا. لكن الإحصاءات تحمل بصيص أمل، ولو خجولا.

أكثر من نصف المدخنين يريدون الإقلاع. الوعي بالصحة يتزايد. الشباب يخافون من التبغ أكثر من خوفهم من الكحول، وهذه مشكلة ثقافية تحتاج إلى معالجة. سؤال يظل معلقًا في الهواء الباريسي الرطب: لماذا يختار الإنسان المعاصر، بكل ما أوتي من علم ووعي، أن يسمم نفسه؟ هل الخوف من المستقبل؟ أم فقدان المعنى؟ أم هي مجرد وراثة ثقيلة من أسلاف عشقوا النسيان أكثر من الحياة؟ يبدو المشهد الصحي الفرنسي كلوحة جدارية مرسومة بأنامل ديونيسوس المجنون: معبد التبغ ينهار، وعلى أنقاضه يبنى مذبح جديد للخمر، بينما ترقد الأرواح في الظل، غارقة في أرقها الطويل، تنتظر خلاصا لا يأتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *