في مقاربة أعمق، سياسية، ودبلوماسية في آن، لا يمكن التعامل مع مسألة خلافة رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار كتحوّل داخلي معزول، بل كجزء من هندسة أوسع لتوازنات الحكم والتمثيل السياسي في المغرب. فالحزب، منذ إعادة بنائه في العقد الأخير، لم يعد مجرد تنظيم إنتخابي، بل أضحى أداة للوساطة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع، وهو ما يجعل إختيار قيادته مسألة تتجاوز المنطق الحزبي الصرف.
من هذا المنظور، يكتسب اسم مولاي حفيظ العلمي دلالة خاصة. فهو يمثل نموذج رجل الدولة-التكنوقراط، القادر على ضمان الاستمرارية المؤسساتية وطمأنة الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الخارجيين. دبلوماسيا، هذا الخيار يبعث برسالة مفادها أن المغرب يفضل في هذه المرحلة تثبيت منطق الاستقرار والتدرج، لا إعادة فتح معارك سياسية داخلية. غير أن محدودية رصيده التعبوي تجعل حضوره ملائما لإدارة التوازن، لا لقيادة صراع سياسي محتمل أو إعادة تعبئة القواعد.
في المقابل، يطرح إسم فوزي لقجع باعتباره يمثل منطقا مختلفا: منطق السلطة الفعلية والنجاعة القصوى. لقجع ليس فاعلا حزبيا تقليديا، بل شخصية تتقاطع فيها السياسة بالمال بالرياضة بالدبلوماسية الناعمة. داخليا، هو قادر على فرض الانضباط وإعادة تشكيل موازين القوى داخل الحزب بسرعة. وخارجيًا، يمنح صورة حزب متماسك تقوده شخصية وازنة داخل الدولة.
لكن هذا الخيار، رغم فعاليته، يحمل مخاطرة دبلوماسية-سياسية دقيقة: تكريس صورة حزب شديد الالتصاق بالمؤسسة، بما قد يضعف قدرته على لعب دور الوسيط السياسي المستقل، خصوصًا في سياق إقليمي ودولي يراقب عن كثب مسألة التعددية والتمثيل.
أما طرح إسم نادية فتاح العلوي، فهو يتجاوز الشخص ليحمل دلالة رمزية ورسائل متعددة المستويات. داخليا، يعكس هذا الخيار انفتاحا على تجديد النخب وكسر إحتكار القيادة الذكورية. وخارجيا، ينسجم مع الخطاب الدولي حول تمكين المرأة في مواقع القرار.
غير أن الإشكال الجوهري هنا سياسي لا رمزي: فقيادة حزب بحجم الأحرار تتطلب شبكة نفوذ حزبية وقدرة على إدارة التوازنات الداخلية، وهي عناصر لا تُبنى بالكفاءة التقنية وحدها، بل بتراكم العمل التنظيمي والولاءات السياسية.
في العمق، نحن أمام ثلاثة تصورات لوظيفة الحزب نفسه:
- مع العلمي: حزب يُدار كمساحة إستقرار وتدبير عقلاني.
- مع لقجع: حزب يعاد ضبطه كأداة قوة وحسم.
- مع فتاح العلوي: حزب يعاد تقديمه كواجهة تحديث ورمز دبلوماسي.
والراجح، سياسيا وواقعيا، أن الاختيار النهائي لن يكون نتاج صراع أسماء، بل نتاج توافق غير معلن حول أي صورة للحزب يحتاجها النظام السياسي في المرحلة المقبلة: هل هي صورة الهدوء، أم التحكم، أم الرسالة الرمزية الموجهة للخارج؟
بهذا المعنى، يصبح إسم الرئيس أقل أهمية من الوظيفة التي سيؤديها، وأقل من السياق الذي سيستدعى فيه. وهذا هو جوهر السياسة حين تمارس كفن للتوازن، لا كمسابقة للوجوه.
