رشيدة داتي… تتقدم كعمدة: إمرأة لا تنكسر

بقلم د. زكية لعروسي

في باريس التي لا تمنح مفاتيحها إلا لمن يتقن لغة الضوء والظل معا، تعود رشيدة داتي إلى المشهد الانتخابي كأنها لم تغادره قط؛ امرأة تمشي فوق حبال السياسة المشدودة بين اليمين والوسط، بين الذاكرة الشعبية والبرجوازية الباريسية، بثبات من يعرف أن السقوط ليس قدرا بل خيارا. في الحملة البلدية لعام 2026، لا تتحرك داتي كمرشحة تبحث عن انتصار عابر، بل كقوة سردية تعيد صياغة صورتها أمام مدينة أنهكتها الاستقطابات. باريس اليوم ليست باريس الأمس. بعد ولايتين من حكم آن هيلانغو، تتقاطع في العاصمة أزمات السكن والنقل والأمن مع شعور عام بالتعب السياسي. هنا تبني داتي خطابها: لا على القطيعة الراديكالية، بل على استعادة “الهيبة البلدية” … تلك الفكرة التي تضع النظام في مواجهة الفوضى، والانضباط في مواجهة الارتجال. هي لا تقدم نفسها بوصفها وريثة تيار تقليدي فحسب، بل كاستثناء شخصي داخل حزبها، امرأة خرجت من الهوامش الاجتماعية لتقف في قلب المؤسسة الجمهورية.

في استطلاعات الرأي الأخيرة، تتقدم خطوة بخطوة، كمن يصعد درجا حلزونيا لا يرى أوله من آخره. منافسها من المعسكر الاشتراكي، إيمانويل جاي جونغ، يستند إلى إرث الأغلبية البلدية القائمة، لكن داتي تلعب على وتر مختلف: الإرهاق من الاستمرارية. أما مرشحو المعسكر الرئاسي، وفي مقدمهم بيير إيف بورنازال، فيتحولون في بعض السيناريوهات إلى “صنّاع ملوك” أكثر منهم طامحين فعليين إلى العرش الباريسي، ما يمنح حملتها بعدا تكتيكيا يتجاوز مجرد جمع الأصوات إلى هندسة التحالفات. بلاغة داتي ليست مجرد أسلوب؛ إنها أداة سلطة. حين تخاطب ناخبي الدوائر الشعبية، تفعل ذلك بلغة التجربة الشخصية: ابنة مهاجرين وصلت إلى وزارة العدل، ثم إلى وزارة الثقافة، دون أن تتخلى عن نبرة التحدي. وحين تقف أمام دوائر أكثر محافظة، تقدم نفسها كحارسة للنظام العام وميزان المالية المحلية. هذا التعدد في الأقنعة لا يُقرأ بوصفه تناقضاً، بل بوصفه مهارة بقاء في مدينة مركبة مثل باريس.

صورتها في هذه الحملة أقرب إلى استعارة فلكية: امرأة تبقى واقفة كالقمر ولو ماتت أوراقه. القمر لا يضيء من ذاته، بل يعكس ضوءاً قادماً من مكان آخر؛ وداتي تعكس هنا ضوء التحولات الاجتماعية العميقة في فرنسا … صعود أبناء الضواحي، تآكل الاصطفافات التقليدية، وتراجع اليقين الإيديولوجي. إنها مرشحة زمن السيولة السياسية، حيث لا أحد يفوز بالأغلبية المطلقة من الجولة الأولى، وحيث يتحول كل صوت في الجولة الثانية إلى حجر في ميزان دقيق. لكن خلف الصورة الشعرية تكمن حسابات باردة. تعددية المرشحين قد تنقلب عليها في حال “الخمسة الكبار” في جولة حاسمة، حيث تتفتت الكتلة اليمينية ويتماسك خصومها. لذلك تراهن حملتها على ثنائية واضحة: إما تغيير صريح بقيادتها، أو استمرار رمادي بقيادة خصومها. إنها معركة على المعنى بقدر ما هي معركة على الأرقام. لا تختزل حملة رشيدة داتي في نسب مئوية عابرة. إنها اختبار لقدرة شخصية سياسية على تحويل السيرة الذاتية إلى مشروع مدينة، وتحويل الجدل إلى طاقة انتخابية. باريس، التي اعتادت أن ترى نفسها عاصمة للثورات الثقافية والسياسية، تجد أمامها امرأة تعرف أن السياسة ليست فقط فن الممكن، بل فن البقاء واقفة .حين تتساقط الأوراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *