رمضان والصحة… بكلمات هينة وروح ودية

بقلم  البرفيسور عبد الرحمان مشراوي أخصائي في أمراض القلب

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو رحلة يعيشها الجسد كما تعيشها الروح. هو زمن الصفاء، وزمن اللقاء، وزمن المراجعة. وكما يطهّر الصيام النفس، يمكنه أيضاً أن يمنح الجسد فرصة للراحة والتجدد إذا أُحسن التعامل معه. عندما يصوم الإنسان باعتدال ويأكل بوعي، قد يساعده ذلك على إنقاص بعض الوزن، وخفض ضغط الدم، وتحسين مستوى الكوليسترول. لكن الصورة ليست دائماً وردية. فالإفراط في الطعام عند الإفطار أو السحور، خصوصاً الأطعمة الدسمة والحلويات الثقيلة، قد يقلب المعادلة ويؤدي إلى زيادة الوزن بدل نقصانه. الصيام مدرسة لضبط النفس، وللصبر، وللإحساس بمن هم أقل حظاً. وهذه القيم لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الشهر، بل تستمر أسلوب حياة. مع ذلك، فالصيام ليس آمنا للجميع. بعض المرضى قد يتعرضون لمخاطر حقيقية، خاصة المصابين بداء السكري أو أمراض الكلى. قد يحدث اضطراب في مستوى السكر في الدم، أو جفاف بسبب قلة السوائل، أو خلل في التوازن الداخلي للجسم. لذلك لا بد من الحذر والمعرفة قبل اتخاذ قرار الصيام..

صحة القلب والأوعية الدموية ترتبط بعوامل معروفة مثل ارتفاع ضغط الدم فوق 140 على 90، وارتفاع الكوليسترول الكلي فوق 200 ملغ/دل أو الكوليسترول الضار فوق 130، والتدخين، وارتفاع سكر الدم الصائم فوق 120، وزيادة الوزن حين يتجاوز مؤشر كتلة الجسم 25، والسمنة إذا تجاوز 30، وقلة الحركة أقل من ثلاث إلى أربع ساعات أسبوعياً، وارتفاع حمض البول فوق 7. الصيام قد يساعد على تحسين بعض هذه المؤشرات، لكن بشرط التغذية المتوازنة والحركة المنتظمة. في المغرب تشير الأرقام إلى أن نحو 12.4 في المائة من السكان يعانون من السكري. حوالي اثني عشر ألف شخص يتوفون سنوياً بسببه مباشرة، واثنان وثلاثون ألفاً بسبب مضاعفاته. كما أن أكثر من نصف السكان يعانون من زيادة الوزن، و نسبة معتبرة منهم من السمنة المفرطة. هذه الأرقام تذكير صريح بأن نمط الحياة الصحي ليس ترفاً، بل ضرورة، خاصة في رمضان. التوازن بين الروح والجسد يتحقق باختيار الطعام بحكمة. الخضروات والسلطات والفواكه والأسماك تمنح الجسد خفة وطاقة، بينما الإكثار من اللحوم والبيض والأطعمة الدهنية يرهق المعدة ويثقل البدن. الاعتدال هو المفتاح، وكوب الماء بين الإفطار والسحور قد يكون أحيانا أهم من طبق إضافي.

بالنسبة لمرضى السكري، تختلف درجات الخطورة. من يخضعون لغسيل الكلى أو يعانون من نوبات هبوط متكررة في السكر يكون الصيام بالنسبة لهم محفوفاً بالمخاطر وغالبا ما ينصحون بعدم الصيام. هناك من لديهم خطورة مرتفعة مثل مرضى القصور الكلوي أو من لا يكون السكري لديهم منضبطاً. أما من كان السكري لديهم مستقراً وتحت السيطرة، فقد يتمكنون من الصيام بشروط وتحت إشراف طبي.  المضاعفات المحتملة تشمل الجفاف، وهبوط السكر، وارتفاعه الشديد، وتدهور وظائف الكلى. لذلك تبقى الاستشارة الطبية قبل رمضان خطوة أساسية لا ينبغي إهمالها. أدوية السكري غالبا تحتاج إلى تعديل. بعض الأدوية مثل الميتفورمين يمكن الاستمرار عليها عادة دون تغيير، بينما أدوية أخرى قد تكون أنسب من غيرها. لا تُؤخذ الأدوية في منتصف النهار أثناء الصيام. من يستعمل الأنسولين قد يحتاج إلى خفض الجرعة الأساسية بنسبة تتراوح بين 15 و30 في المائة، أو تقليل جرعة ما قبل السحور والإبقاء على جرعة ما قبل الإفطار بحسب حالته. كل تعديل يجب أن يكون فرديا وبالتشاور مع الطبيب.

رمضان يمكن أن يكون فرصة ذهبية للصحة إذا أكلنا بتوازن، وشربنا ما يكفي بين المغرب والفجر، وراقبنا عوامل الخطورة، واستشرنا الطبيب عند وجود مرض مزمن. الصيام ليس قراراً روحياً فقط، بل هو أيضاً قرار صحي. ويمكن قياس نجاح الصيام ببساطة من خلال الميزان والشعور العام. إذا حدث نقص خفيف في الوزن أو تحسن في الإحساس بالنشاط والراحة، فقد تحقق الهدف. أما إذا زاد الوزن أو تكررت آلام المعدة بسبب الإفراط في الأكل، فذلك يعني أن الصيام فقد معناه الصحي وأصبح عبئا على الجسد بدل أن يكون نعمة له

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *