ريما حسن عند تخوم المسموح والمحرّم

بقلم زكية لعروسي, باريس

 في لحظات يتحوّل فيها التعبير إلى حدٍ فاصل بين الحرية والمساءلة، تولد القضايا التي لا تقرأ بوصفها أحداثا عابرة، بل بوصفها مرايا تعكس قلق الحضارة ذاتها. من هذا الأفق الملبّد، تطلّ قضية ريما حسن، لا كشخص في مواجهة اتهام، بل كفكرة تتنازعها التأويلات، وكصوت يختبر عند تخوم المسموح والمحرَّم.

منذ أن وعى الإنسان ذاته ككائن ناطق، أدرك أن اللغة ليست أداة بريئة. ففي أثينا القديمة، حين وقف سقراط أمام قضاته، لم يكن متهما بجريمة مادية، بل بفساد العقول عبر السؤال. كانت كلماته -تماما كما هي الحال اليوم قادرة على زعزعة النظام الرمزي الذي تقوم عليه الجماعة. وهكذا، فإن كل اتهام يمسّ الخطاب، إنما يعيدنا إلى تلك اللحظة البداية: لحظة الخوف من الفكرة حين تخرج عن السيطرة.

إن تهمة «الإشادة بالإرهاب» ليست مجرد توصيف قانوني؛ إنها حد مفهومي هشّ، يقف عند تخوم السياسة والأخلاق. فهي تتطلب من القاضي أن يتحوّل إلى مؤوِّل، ومن النص إلى كائن حيّ، يتشكّل بحسب السياق والنبرة والظلال الخفية للمعنى. هنا، لا يحاكم القول فقط، بل يحاكم ما يفهم منه، وما يخشى أن يُفهم. في هذا السياق، تبدو فرنسا الأبية، التي تنتمي إليها حسن، كامتداد لتقليد فرنسي طويل من المعارضة الجذرية، ذلك التقليد الذي لم يتردّد يوما في تحدّي السلطة الرمزية للدولة. من الثورة الفرنسية إلى  انتفاضات القرن العشرين، ظلّ السؤال نفسه يتردّد: هل تُحمى الدولة بالصمت، أم تُقوّى بالاختلاف؟

غير أن الحداثة، وقد أثقلتها ذاكرة العنف، لم تعد تنظر إلى الكلمة بالبراءة نفسها. فبعد أن شهد العالم تحوّل الأفكار إلى أفعال مدمّرة، صار الخطاب ذاته ميدانا للرقابة. لم يعد الخطر في السلاح وحده، بل في السرد الذي يبرّره، وفي الصورة التي تمنحه شرعية خفية. وهنا تحديدًا، تتكثّف المعضلة: كيف نميّز بين من يشرح العنف، ومن يشرّعه؟ بين من يحلّل، ومن يمجّد؟

إن ريما حسن، بحكم موقعها وهويتها المركّبة، تقف عند تقاطع هذه التوترات. فهي ليست فقط نائبةً أوروبية، بل حاملة لذاكرة تاريخية مثقلة، تتداخل فيها الجغرافيا بالمعاناة، والسياسة بالوجدان. ومن هذا الموقع، يصبح خطابها مشحونا بما يتجاوز الكلمات: إنه خطاب هوية، قبل أن يكون خطاب موقف. غير أن التاريخ يعلّمنا أن السلطة، مهما بلغت من تعقيد، تميل دائما إلى ضبط اللغة حين تشعر أن المعنى بدأ ينفلت. ففي عصور مختلفة، لم تكن المحاكمات الكبرى سوى محاولات لإعادة تعريف ما يمكن قوله. من محاكم التفتيش إلى قوانين الطوارئ الحديثة، ظلّ السؤال واحدا: من يملك الحق في تحديد حدود الكلام؟

ومع ذلك، فإن المفارقة العميقة تكمن في أن الحضارات التي ضيّقت على الكلمة، إنما ضيّقت على نفسها أفق التفكير. فالكلمة، حين تحاصر، لا تموت، بل تتحوّل…تصير همسا، أو رمزا، أو انفجارا مؤجّلا في ضوء ذلك، لا يمكن اختزال قضية ريما حسن في ثنائية البراءة أو الإدانة. إنها، في جوهرها، اختبار دقيق لقدرة الديمقراطية على تحمّل خطاب مزعج، أو صادم، أو حتى مقلق. إنها لحظة يسأل فيها القانون: هل أنت حارس للنظام، أم راع للحرية؟ ويسأل فيها المجتمع: هل تخاف من الكلمة، أم من أثرها؟ هكذا، تتجاوز القضية حدودها الظاهرة، لتغدو فصلا جديدا في سردية قديمة: سردية الصراع بين الصوت والسلطة، بين المعنى والخوف، بين الإنسان -ككائن يقول- والعالم الذي يحاول أن يحدّد ما ينبغي أن يقال. وفي هذا التوتر، تحديدا، يولد التاريخ.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *