بقلم زكية لعروسي، باريس
في خبر يهزّ أكثر مما يفسِّر، تتقاطع صورة ريما حسن، النائبة الأوروبية ذات الخطاب الحاد، مع معطى صادم: “بضعة غرامات من مخدّر اصطناعي” عثر عليها خلال إجراء أمني مرتبط بقضية أخرى. وبين من يرى “تصفية سياسية” كما صرّح جان لوك ميلانشون، ومن يرى “واقعة قانونية صرفة”، يبقى السؤال الأعمق: ماذا تفعل المخدّرات بالإنسان… وباللسان تحديدا؟
المخدّرات، وخاصة الصناعية منها، ليست مجرد مواد تُذهب الوعي، بل هي أدوات لإعادة تشكيل الإدراك ذاته. إنها لا تسكت الألم فقط، بل تُعيد ترتيب العالم داخل الرأس: تخفّف الخوف، لكنها تفتح باب الجرأة غير المحسوبة, تحرّر اللسان، لكنها تفكّ ارتباطه بالحكمة, تشعل الإحساس، لكنها تطفئ البصيرة ولهذا قال العرب قديما: “إذا ذهب العقل، حضر الهزل.”

فاللسان -وهو أخطر أعضاء الإنسان- يتحوّل تحت تأثير المخدّر من أداة وعي إلى أداة اندفاع. وهنا يصبح القول أقرب إلى الانفلات منه إلى التعبير. فهل لساننا مرآة دواخلنا أم ضحيته؟ في الفلسفة الأخلاقية، اللسان هو “الترجمان الأمين” لما في النفس. لكن ماذا لو كانت النفس نفسها مُختلّة كيميائيا؟ يقول المثل الشعبي: “لسانك حصانك إن صنته صانك.” لكن تحت تأثير المخدّر، هذا الحصان قد ينفلت، يركض بلا لجام، وربما يدهس صاحبه.
الفيلسوف أفلاطون رأى أن النفس تتكوّن من ثلاثة أجزاء: العقل، الغضب، والشهوة. والمخدّرات غالبا ما تعطّل الأول وتطلق الثالث، فيصبح الإنسان أسير نزواته، حتى في كلامه. وهنا نفهم كيف يمكن لكلمة واحدة -تغريدة، تصريح، أو عبارة- أن تشعل قضايا كبرى.
في حالة شخصية عامة مثل ريما حسن، يصبح كل تفصيل مضخّما: هل هي زلّة فردية؟ أم دليل على خلل أعمق؟ أم مجرد ورقة تستخدم في صراع سياسي؟ السياسة بطبيعتها لا ترحم. كما يقول المثل: “إذا سقط الجمل كثرت سكاكينه.” لكن في الوقت نفسه، لا يمكن فصل الإنسان عن هشاشته. فكل خطاب قوي قد يخفي وراءه تعبا، ضغطا، أو حتى هروبا والمخدّرات في كثير من الأحيان ليست سببا، بل نتيجة.

يرى الفيلسوف نيتشه أن الإنسان حين لا يحتمل واقعه، يبحث عن “أفيون” ما قد يكون دينا، فكرة، أو مادة. والمخدّرات هنا تمثّل الشكل الأكثر مباشرة لهذا الهروب. لكنها مفارقة قاسية: تهرب من الألم… فتقع في فقدان الذات. وفي التراث العربي، نجد حكمة بليغة: “من طلب الراحة ترك الراحة.” أي أن السعي وراء راحة زائفة (كمخدّر) يقود إلى تعب أعمق.
القانون يتعامل مع الوقائع: وجود مادة، حيازة، استعمال. أما الرأي العام، فيتعامل مع الصور والانطباعات. وبين الاثنين، تضيع الحقيقة أحيانا. فإن ثبتت التهم، فالقانون يأخذ مجراه. وإن لم تثبت، فتبقى السمعة قد تضرّرت وهنا يظهر وجه آخر للعدالة: العدالة الاجتماعية، التي لا تخضع دائمًا للبرهان. المسألة ليست فقط “مخدّرا في حقيبة”، بل هي سؤال أعمق: كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ وكيف نحمي الكلمة من الانزلاق؟ قالوا قديما: “الكلمة إن خرجت من القلب وقعت في القلب، وإن خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.” لكن ماذا لو خرجت من عقل مغيَب؟ حينها، لا تعود الكلمة رسالة… بل حادثا. ولا يعود اللسان شاهدا… بل متهما.
📲 Partager sur WhatsApp