بقلم زكية لعروسي
في نهاية رمضان، حين يهدأ صخب الصيام وتستعد المدن لصباح العيد، يظهر ذلك الرقم الصغير الذي يحدده الفقه كل عام: خمسة وعشرون درهماً. مبلغ يبدو بسيطاً، حتى كأنه تفصيل إداري في دفتر العبادة. لكنه، لو تأملناه قليلا، يخفي خلفه سؤالا فلسفيا كبيرا: كيف يتساوى الغني والفقير في مقدار الزكاة نفسها؟
خمسة وعشرون درهما…للملياردير كما للعامل اليومي. لمن يملك الشركات كما لمن يملك بالكاد خبز يومه. وهنا يبدأ التفكير. في الظاهر، تبدو المسألة واضحة: زكاة الفطر ليست ضريبة اجتماعية بل طقس تطهيري. هكذا فهمها الفقهاء حين قالوا إنها “طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين”. إنها أشبه بلمسة رمزية تعلن نهاية شهر الصيام، مثل ختمٍ روحاني على تجربة الصبر. لكن الفلسفة الاجتماعية لا تكتفي بالظاهر. فلو جلس ابن عربي بيننا اليوم، ربما ابتسم بتلك الطريقة التي كان يبتسم بها الصوفيون حين يرون ما وراء النصوص. كان سيقول إن الشريعة تتكلم بلغة الميزان، لكن الحقيقة تتكلم بلغة القلوب. المبلغ واحد لأن المقصود تساوي الأرواح أمام الله، لا تساوي الجيوب. أما جلال الدين الرومي فربما حوّل المسألة إلى قصة. كان سيقول إن الله حين فرض صدقة الفطر جعلها صغيرة عمداً، حتى لا يتحجج بها الغني ولا يهرب منها الفقير. فالرقم ليس الهدف، بل الحركة التي يقوم بها القلب وهو يعطي.

لكن المشكلة أن المجتمعات الحديثة لا تعيش فقط بالقلب. إنها تعيش أيضا بالاقتصاد، وبالهوة المتزايدة بين من يملكون ومن لا يملكون. وهنا يبدأ الجدل الحقيقي. لو عاد الجاحظ للحياة، لربما كتب مقالة ساخرة عنوانها: “في تسوية الأغنياء بالفقراء في خمسة وعشرين درهما”. وكان سيحكي لنا حكاية تاجر ثري يخرج زكاة الفطر بقطعة نقدية من جيبه دون أن يشعر بها، بينما يخرجها فقير وهو يوازن بين شراء الخبز ودفع الزكاة. الجاحظ كان سيضحك، ثم يغمز بعينه، ويقول: “العجيب ليس أن يتساووا في الزكاة، بل أن يتساووا في الحرج”. المشكلة إذن ليست في الفقه، بل في سؤال الاجتهاد الاجتماعي. هل ينبغي أن يبقى المبلغ رمزيا متساويا للجميع؟ أم ينبغي التفكير في روح المقصد: أن من يملك أكثر يعطي أكثر؟
الفكرة ليست جديدة. في جوهرها هي روح الزكاة الكبرى نفسها، التي تربط العطاء بالثروة. فإذا كانت زكاة المال نسبية (اثنان ونصف في المائة)، فلماذا تبقى زكاة الفطر ثابتة لا تتغير؟ هنا ينقسم التفكير إلى اتجاهين: الاتجاه الأول يرى أن ثبات المبلغ هو عبقرية رمزية. لأن يوم العيد يصبح لحظة مساواة مطلقة بين الناس. الكل يدفع المقدار نفسه، وكأن المجتمع يعود لوهلة قصيرة إلى حالة بدائية من التساوي. أما الاتجاه الثاني، وهو الأكثر إثارة للجدل، فيقول إن هذه المساواة قد تكون مساواة شكلية. لأن العدالة الحقيقية ربما تقتضي شيئا آخر: أن يعطي الغني أكثر، وأن يخفف العبء عن الفقير. بكلمات بسيطة كما تقول حكمة السوق الشعبية: “اللي عندو كثر يعطي كثر… واللي ما عندوش يتلقى.”

لكن الصوفيين كانوا سيحذروننا من الوقوع في فخ الحسابات فقط. لأن العطاء، في النهاية، ليس معادلة مالية بل اهتزاز في الروح. ابن عربي كان سيقول إن العطاء الحقيقي يبدأ حين تعطي ما تشعر أنه جزء منك، لا مجرد رقم مكتوب في فتوى. والرومي كان سيضيف أن الفقير قد يعطي درهماً واحداً لكنه يضع فيه قلبه كله، بينما قد يعطي الغني آلافاً دون أن يتحرك فيه شيء. ربما لهذا السبب بقيت زكاة الفطر صغيرة. ليست لأنها نهاية الحساب… بل لأنها بداية السؤال. السؤال الذي يتكرر كل عام مع اقتراب العيد: هل نكتفي بما يفرضه الحد الأدنى؟ أم نحاول أن نفهم الحد الأعلى الذي تقدر عليه قلوبنا؟ لأن الحقيقة التي يعرفها الفقراء جيدا هي أن العدالة لا تأتي دائماً من النصوص، بل من كرم الناس حين يتجاوزون النصوص نحو المعنى. وفي النهاية، قد يكون أجمل تعريف لزكاة الفطر ليس في كتب الفقه، بل في حكمة بسيطة تشبه كلام الأمهات: العيد لا يأتي حين ندفع خمسة وعشرين درهما…العيد يأتي حين لا يبقى أحد جائعا في الحي.
