بقلم زكية لعروسي، باريس
في مدينة تجاور التاريخ وتلامس حاضر فرنسا المضطرب، لم يكن صعود وجه سياسي جديد إلى رئاسة بلدية سان دوني مجرّد انتقال إداري للسلطة، بل كان أشبه بارتطام موجتين متعاكستين في بحر واحد: موجة الإرث السياسي العريق، وموجة التحوّل الشعبي الذي لا يعبأ كثيرا بثقل الماضي. لقد بدت الجلسة الأولى للمجلس البلدي، بما حفلت به من صخب واحتقان، كأنها مسرح صغير لتجسيد مأساة أكبر: مأساة السياسة حين تفقد لغتها المشتركة، وتتحوّل إلى ضجيج تتنازع فيه الأصوات بدل أن تتحاور. فالهتافات والصفير لم تكن مجرد تعبير عابر عن الغضب أو الشماتة، بل كانت، في جوهرها، إعلانا عن أزمة أعمق: أزمة الاعتراف بالآخر.
يقول الفيلسوف الألماني هيغل: «الصراع من أجل الاعتراف هو محرّك التاريخ». ولعلّ ما جرى في تلك القاعة لم يكن سوى فصل جديد من هذا الصراع الأزلي؛ حيث لم يعد الخصم خصما سياسيا فحسب، بل صار مرآة تعكس مخاوف وهوّيات متصدّعة. إن فوز رئيس البلدية الجديد من الجولة الأولى لم يكن مجرد انتصار انتخابي، بل كان بمثابة رسالة صريحة من القاعدة الشعبية: لقد تغيّرت قواعد اللعبة. غير أن هذه الرسالة، بدل أن تقرأ بوصفها فرصة لإعادة بناء الجسور، تحوّلت إلى وقود لاحتقان إضافي، غذّته الاتهامات، وساهمت فيه منصات التواصل الاجتماعي التي باتت، كما وصفها أحد المفكرين، «ساحات للغضب أكثر منها فضاءات للعقل».
ولعلّ أكثر ما يثير التأمل في هذه الواقعة هو تزامن خطابين متناقضين: خطابُ اليد الممدودة، وخطابُ الرفض القاطع لأي «فوضى» محتملة. هنا، تتجلّى مفارقة السياسة الحديثة: كيف يمكن الجمع بين الدعوة إلى الوحدة، والاستعداد الدائم للصدام؟ وكيف يمكن لسلطة ناشئة أن تؤسس شرعيتها على التهدئة، وهي محاطة بعواصف الشكوك والاتهامات؟
في التراث العربي، يقول ابن خلدون: «الملك لا يقوم إلا بالعصبية». غير أن العصبية في زمننا لم تعد قبيلة أو نسبا، بل صارت فكرة، أو إيديولوجيا، أو حتى شعورا جماعيا بالظلم أو الإقصاء. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحماسة التي رافقت هذا التغيير السياسي، كما يمكن فهم العنف الرمزي الذي واجهه خصومه. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التغيير ذاته، بل في الطريقة التي يدار بها هذا التغيير. فحين تتحوّل السياسة إلى ساحة تصفية حسابات، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية: تنظيم الاختلاف لا تأجيجه. وكما كتب الفيلسوف بول ريكور: «الديمقراطية لا تبنى على الإجماع، بل على القدرة على إدارة الخلاف».
إن ما حدث في سان دوني ليس استثناء، بل هو انعكاس لزمن عالمي يتّسم بتآكل الثقة، وتضخّم الانفعالات، وتراجع المساحات الرمادية التي كانت، يوما ما، ملاذا للعقلاء. لقد أصبح العالم أكثر ميلا إلى الثنائية الحادة: نحن أو هم، صواب أو خطأ، نصر أو هزيمة. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذا الصخب أن يكون بداية لشيء جديد؟ أم أنه مجرد حلقة أخرى في سلسلة من الانقسامات التي تتعمّق مع كل استحقاق انتخابي؟
ربما تكمن الإجابة في ما قاله المتنبي قبل قرون: «وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد إدارة للمصالح، بل اختبار دائم لنبل النفوس. وإذا كانت النفوس صغيرة، فإنها تحوّل النصر إلى انتقام، والخسارة إلى مرارة. أما إذا كبرت، فإنها ترى في كل لحظة -حتى الأكثر توترا- فرصة لإعادة تعريف المشترك الإنساني. بين الصخب والصمت، بين اليد الممدودة والقبضة المشدودة، تقف سان دوني اليوم عند مفترق طرق. وليس السؤال من يحكم، بل كيف يُحكم. وليس من انتصر، بل ماذا سيفعل بهذا الانتصار. وفي هذا، يكمن جوهر الحكاية… وربما مأساة السياسة الحديثة بأسرها.
📲 Partager sur WhatsApp