سان دوني: مرافعة شاعرية في حضرة الوحش

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يكن يوما مجرد عمدة. بالي باكايوكو كان الحلم ذاته الذي أبت الإمبراطورية أن تحلم به. ها هو يقف على بارفيه قاعة المدينة، بشرة تلامس الشمس، وصوت يرتدي رداء الجمهورية. ستة آلاف شخص خلفه، وملايين الضمائر أمامه. لكن بعيدا، في بلدة بانييه دو بيغور النائمة تحت جبال البرانس، كان الحقد يتنفس عبر علب الطلاء.

“باكايوكو, أو بونو آبي لونغ, ريما حسن: ريمغراسيون”. كلمة واحدة تكفي لتعرية أمة بأكملها. كلمة فرنسية رشيقة المقطع، وحشية المغزى. تعني: “أعيدوا توطينهم”. كأنهم حزم بريدية أخطأت العنوان. كأن الانتخاب لم يحدث. كأن التاريخ لم يمر. لنتأمل هذا المشهد بدهشة الأنبياء في سان دوني، يهتف الآلاف: “لا للعنصرية”. في بانييه، يهمس جدار: “بل للطرد”. نفس التوقيت. 4 أبريل 2026. نفس الكوكب. عالمان لا يلتقيان إلا عبر رائحة البوية الرخيصة وحبر الصحف. المدهش ليس أن الكراهية موجودة. المدهش أنها تنتخب قاموسها من معجم الفاشية الجديدة. “ريميغراسيون” ليست كلمة فرنسية طبيعية. إنها استيراد ألماني من ورشة مارتن سيلنر، عرّاب اليمين المتطرف النمساوي. كأنهم يستوردون السم ثم يغلفونه بورق هدايا بورجوازي.

لم يكتب أحد “ارحلوا” بلغة الشارع. كتبوها كلغة تقرير إداري. لأن القاتل الجديد لا يريد أن يرى قاتلا. يريد أن يكون مهندس ديموغرافيا. طبيب تنظيف عرقي يستعمل المبضع بدل السكين. لماذا هذا العجب؟ أليس الأوروبي هو من علّم العالم نظريات التفوق العرقي؟ أليس غوبينو هو من قسّم البشر إلى آريين وساميين؟ أليس كانط نفسه كتب عن “المناطق الجغرافية للعقل”؟

المفارقة: العنصري اليوم لا يعترف بأنه عنصري. هو “قومي”، “سيادي”، “خائف على هويته”. يبكي على مريم العذراء في كنائس بوارييه، وينام على وسادة كتبتها حنا أرندت عن “تجربة الشر”. الغريب أن عنصري بانييه لم يهاجم فقر باكايوكو، ولا قراراته البلدية. لم يهاجم خطته للنقل، ولا ميزانية المدارس. هاجم لونه. هاجم اسمه. هاجم تاريخ عائلته الذي لا يعرفه.

هذا هو سر العنصرية الحديثة: إنها كسل فكري يتخفى خلف فلسفة زائفة. إنها  كراهية تبحث عن تبرير بعد أن ولدت، لا قبله. أيها القارئ في طوكيو أو نيويورك أو الرباط أو ساو باولو: تخيل أنك تنتخب رئيسا لبلديتك. يربح. يحصل على أعلى الأصوات. ثم يستيقظ بعض جيرانك ليكتبوا على حائط: “أعد توطينه في وطنه الأصلي”. أين وطنه الأصلي؟ ولد في مستشفى سان دوني. صوت لأول مرة في نفس القاعة التي يقف فيها اليوم. جده الأكبر حارب في جيش ديغول. لكنه أسود. إذن، هو “قادم” و”وافد” و”طارئ” على الحياة الفرنسية.

هذا هو العبث المطلق. هذا هو أن ترى الحقيقة ثم تتفضل بإنكارها. العنصري لا يرى الشخص. يرى الفئة. لا يرى باكايوكو. يرى “الأسود”. لا يرى ريما حسن السياسية. يرى “العربية”. لا يرى دانييل أوبونتو. يرى “الإفريقية”. هذا هو العمى الذي يسمي نفسه بصيرة. يا من ترسم كراهيتك على جدران الآخرين: أتعلم لماذا خسرتم؟ لأن باكايوكو لم ينتخب بلون بشرته. انتخب لأن الناس في سان دوني سئموا وجوها شاحبة تبشر بالفقر وترسم الجدران.

لقد حوّلتم الفرنسية من لغة الحقوق إلى لغة الترحيل. حوّلتم الجمهورية من أم الجميع إلى خانة محددة. لكن انظروا حولكم. الميدان يغص بوجوه كل الألوان. كل الأصول. كل اللهجات. هذه هي فرنسا الحقيقية. فوضى جميلة. طبخة لا تعرف الطباخ الواحد. أما أنتم – يا فرسان الجدران – فأنتم بقايا أمس. أنتم الحفرة التي تحلم أن تكون جبلا. أنتم الصدى الذي ظن نفسه صوتا

بعد ساعات من التظاهرة، ستمسح البوية. سيعود الحائط نظيفا. لكن الذاكرة ستحتفظ بالدرس. بانييه دو بيغور لن تكون آخر مدينة تكتشف أن العنصرية لا تحتاج إلى كتيبات كي تتنفس. تحتاج فقط إلى جدار فارغ، وعلبة طلاء، وإنسان جريح يظن أن حرية شخص تبدأ من سجن آخر. باكايو كو قالها أمام الجميع: “نحن أبناء الهجرة، ونحن ورثة الجمهورية”. ترجمة ذلك: لن ترحلوا. ولن نرحل. هذا البلد ليس فندقا يخرج من يشوه الديكور. هذا البلد بيتنا. والبيوت لا ترمي أهلها في الشارع لأن لون الستائر لم يعجب عابر سبيل. العنصري يكتب بالطلاء. نحن نكتب بالانتخابات. وبالمواكب. وبالصبر الذي يمل الميادين حين تخلو الجدران إلا من الغباء. غدا، سيزول الطلاء. لكن العار سيبقى على وجوه من لم يخجلوا اليوم. سان دوني – بانيير دو بيغور، 4 أبريل 2026 للقصة بقية… طالما بقي في فرنسا رجل أسود ينتخب، وامرأة فلسطينية تتكلم، وجدار أبيض ينتظر اللون القادم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “سان دوني: مرافعة شاعرية في حضرة الوحش

  1. المقال مكتوب بأسلوب أدبي-شاعري قوي ومؤثر، يدافع بوضوح عن قيم مناهضة العنصرية في فرنسا، انطلاقاً من حادثة كتابة شعارات تدعو إلى “إعادة التوطين” بعد انتخاب عمدة من أصول مهاجرة في سان دوني. الكاتبة ترى أن هذه الشعارات تعبّر عن صعود خطاب يميني متطرف يحاول إقصاء مواطنين منتخبين فقط بسبب أصولهم أو لونهم، وتعتبر أن ذلك يناقض مبادئ الجمهورية والمواطنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *