سجلماسة وعد معلق وذاكرة تحتضر

بقلم زكية لعروسي، باريس

إلى وزير الثقافة, السيد بنسعيد

في تخوم الجنوب الشرقي، حيث تتكئ الرمال على خاصرة التاريخ، وتهمس الرياح بأسماء منسية، تقف تافيلالت ككاهنة عجوز، تحفظ سرَ النشأة الأولى، وتخفي في عباءتها الممزقة بقايا مجد كان يوما يملأ الآفاق. هناك، عند تخوم الريصاني، حيث تتداخل الأزمنة كما تتشابك جذوع النخيل، ولدت الحكاية… لا، بل انبثق قدر أمة كاملة.

سجلماسة… ليست مجرد أطلال من طين، ولا سوقا أكلتْه السنون، بل هي مرآة قرون من العبور، حيث كانت القوافل تنحني احتراما، وتفرغ على رمالها ذهب السودان وعبق الشرق، وتكتب فوق جدرانها قصائد التجارة والسلطة والروح. كانت مدينة لا تشبه المدن، بل كوكبا من الطين المشعّ، يدار بنبض التاريخ. واليوم… ماذا تبقّى؟ أطلال تتنفس بصعوبة، نخيل يابس كأنّه يرفع يديه إلى السماء مستغيثا، تمر فقد حلاوته قبل أن يقطف، وأحياء صارت أشباحا تمشي على أطراف النسيان. هناك، حيث كان السوق ينبض كقلب لا يتعب، صار الصمت سيد المكان، وصارت الذاكرة وحدها تبيع وتشتري.

لقد قيل لنا – ذات وعد في معرض الكتاب، تحت أضواء باريس الباردة – إن زمن الإنقاذ لا يتجاوز سنة. سنة واحدة، كأنها ومضة برق في ليل التاريخ الطويل. قيل إن الميزانيات قد فتحت، وإنَ سجلماسة ستنهض من رمادها، كما تنهض الأساطير حين تشتاق للحياة. لكن، أي رماد هذا الذي طال احتراقه؟ وأين هي تلك السنة التي قيل إنها تكفي لبعث مدينة من الموت؟ أين السوق التي وعدنا أن يعود كما كان، مكتظا بالأصوات والروائح والوجوه؟ أين النخيل الذي كان يكتب على السماء خضرة الأمل؟ أين أهل سجلماسة، الذين صاروا كأنهم حراس خراب لا ينتهي؟

إن السؤال لم يعد سؤال ترميم، بل سؤال وجود. لم يعد سؤال ميزانية، بل سؤال ذاكرة تسحق ببطء. فحين تهمش سجلماسة، لا تهمش مدينة فقط، بل يهمش فصل كامل من كتاب المغرب، فصل كتب بالذهب، ويعاد اليوم محوه بالغبار. تافيلالت اليوم ليست أرضا منسية فحسب، بل هي جرح مفتوح، يلمع تحت الشمس كمرآة مكسورة، يعكس وجوهَ الذين وعدوا… ثم صمتوا.

أهي صدفة أن تتحول مهد الدولة العلوية إلى صحراء من الإهمال؟ أم أن التاريخ، حين يصبح ثقيلا، يترك ليتآكل وحده؟ إننا لا نسأل عن حجارة ترمم، بل عن روح تبعث. لا نطالب بسوق يعاد بناؤه، بل بمدينة تعاد إليها الحياة. لأن سجلماسة ليست موقعا أثريا، بل نبض لا يجوز أن يتوقف. وفي صمت الواحات، حيث الليل أكثر صدقا من التصريحات، لا يزال السؤال يتردد: هل كانت تلك الوعود مجرد سراب آخر في صحراء تعرف جيدا كيف تخدع العيون؟ أم أن سجلماسة… ما زالت تنتظر معجزة؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *