سموم على الموائد !

بقلم رضوان البلدي, صحفي وإعلامي مغربي

في رمضان لا في غيره، تتفتح شهية الأكل بشكل مفرط، فيدفع ذلك وتحت سطوة غريزة تتجدد باستمرار الصائمين إلى البحث عن ما لذ وطاب لجعل موائدهم تتلاقى فيها الذاكرة بالروح، لكن لا أحد يدري، وهو يتمثل لحظة إفطاره لحظة احتفال صغير أن هناك فئة، دون ضمير، استثمرت في جوعه من أجل حصد أموال طائلة، دون موجب حق. ففي كل رمضان، تغرق الأسواق بمواد غذائية منتهية الصلاحية أو غير صالحة للاستهلاك، تهدد صحة وسلامة المستهلكين، مما يعرض الأمن الصحي للخطر، ويكفي أن يمر أسبوع أو أسبوعان من هذا الشهر الفضيل، حتى نسمع ونقرأ، وفي أحسن الأحوال، نرى بأم أعيننا، حتى تطمئن قلوبنا، السلطات المعنية تداهم مستودعاتهم إسطبلا هناك، لتفكيك “مافيات” جعلت من صحة الناس أصلا تجاريا، تتاجر به على امتداد السنة، لكن بوتيرة أكبر خلال شهر رمضان، لترفع من رقم معاملاتها إلى مستويات قياسية.

يكتسي هذا الموضوع أهمية كبيرة، إن لم نقل خطيرة، لارتباطه بالصحة العامة، لذا يجب الانتباه إليه وتفعيل كل الآليات القانونية والمجتمعية لوقف زحفه على أسواقنا. صحيح أن السلطات فعلت الرقم الهاتفي المختصر 5757 للتبليغ عن حالات الغش والممارسات التجارية غير القانونية خلال شهر رمضان، غير أن ذلك غير كاف لكبح جماح شهية غير محدودة لفئة تهاوى لديها الضمير إلى الحضيض، وصار همها هو الربح السريع وغير المشروع، بغض النظر عن العواقب، وهو ما يفرض تحمل الجميع مسؤولياته، حتى لا تكون الفاتورة باهظة. أعتقد أن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية جماعية، تتقاسمها من جهة السلطات المختصة عبر تشديد المراقبة، وتكثيف الحملات التفتيشية، وفرض عقوبات رادعة، ومن جهة أخرى، التجار بالالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام صحة المستهلك، وأخيرا، المستهلك نفسه، من خلال الحرص على فحص تاريخ الصلاحية، والإبلاغ عن أي تجاوزات، وهكذا يكون الجميع قد شارك في تطويق هذه الظاهرة ومحاصرة مافيات “البيريمي”.

كم يدهشني ذلك الكم الهائل من المواد الغذائية، إما منتهية الصلاحية أو مشبوهة أو غير قابلة للاستهلاك أصلا، معروضة في واضحة النهار في المحلات التجارية وفي الشوارع، لكن الأخطر أن أصحابها غير مبالين بذلك ولا يخشون الرقابة. ذكرني هذا الاستهتار الخطير بصحة الناس وسلامتهم بالصرامة الكبيرة في التعاطي مع مثل هذه الخروقات في أماكن أخرى، من خلال واقعة عشت تفاصيلها بفرنسا قبل سنوات، بمدينة صغيرة في الجنوب، تشتهر بسوق أسبوعي، تعرض فيه منتجات غذائية محلية كثيرة، إلى جانب سلع أخرى. مازلت أتذكر مشهد رجال مصالح المراقبة، بتلك الوجوه القاسية، وهي تدقق بصرامة مع شابة قروية تبيع منتوجات غذائية محلية معبأة في قارورات زجاجية، من بينها العسل والمربى وزيت الزيتون، وكيف أخذت معطياتها الشخصية وعينة من كل منتوج للتأكد من جودتها، بعد أن وعدتها أنها ستعود بالنتائج الأسبوع المقبل، ثم انتقلت إلى البائع الموالي وهكذا دواليك.

قال لي مرافقي، وهو صديق مقيم بفرنسا منذ سنوات: هنا لا يتساهلون مع المواد المغشوشة، خاصة في ما يتعلق بالمواد الغذائية، فهم لا يتسامحون، فقلت له: ماذا لو تعلق الأمر بمواد منتهية الصلاحية؟ أجاب، وهو يعرف جيدا العواقب: القوانين هنا صارمة والغرامات والسجن ينتظر كل من سولت له نفسه المس بصحة الناس.
خلاصة القول، شهر رمضان هو شهر عبادة وتكافل، ولا يليق، بنا كمسلمين، أن يتحول إلى موسم للإضرار بصحة الناس، وبالتالي فالوعي، والمراقبة، والضمير المهني تبقى أسلحة أساسية للحد من خطر رواج المواد المنتهية الصلاحية، وحماية صحة المجتمع وضمان سلامة الغذاء للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *