لوبين في يد القضاء الفرنسي

بقلم زكية لعروسي

 

 

في قاعة تحمل في جدرانها صداها التاريخي، حيث جلس ذات يوم قائد سقط من علياء المجد إلى رحاب الخيانة، تجلس اليوم أميرة أخرى من عالم السياسة السائلة. تنبعث رائحة غريبة، ليست رائحة أوراق القضاء البالية, ولا عطر السلطة الفاخر، بل “رائحة الفَنَك” كما وصفتها هي. ذلك الكائن الصحراوي الصغير، ذو الأذنين الكبيرتين، السريع، الليلي، الماهر على الاختباء والبقاء في أصعب الظروف. أليست هذه، في جوهرها، سيرتها الذاتية؟ الفَنَك الذي تعلم العيش في صحراء العداء السياسي، وتسلق كثبان الاستقطاب، واصطاد فرصه تحت ظلمة الليل الإعلامي، محتفظا دائما بأذنيه مفتوحتين لصوت القاعدة، وأنفه مرهفا لشمّ نسمات الغضب الشعبي.

القضية بذاتها هي قصة عصرنا المتناقض: كيف تحوّل “إنقاذ الحزب” من عمل بطولي في سرديات أتباعه، إلى جريمة “اختلاس المال العام” في سجلات القانون. الاتهام يقول: أموال برلمان قارة، مقدّرة لخدمة الشعوب، حوّلت إلى رواتب لإنقاذ حزب يعاني من عسر انتخابي. هنا يكمن التناقض: ألا يعتبر الحفاظ على كيان سياسي في عرف أنصاره خدمة للشعب ذاته؟ أم أن القانون، كسيف دون كيشوت، يحارب طواحين هواء المصلحة العليا التي لا يراها إلا أصحابها؟ إنها معركة بين “شرعية البقاء” و”شرعية النص”، بين قلب السياسة النابض ويد القانون الباردة.

العقوبات المطلوبة تشبه طلسمات سحرية من عالم آخر: سجن يحوّل إلى إقامة جبرية بأسورة إلكترونية، كأنما تتحول العقوبة إلى مجرد إشارة استهجان تكنولوجية. لكن القلب النابض في هذه الطلاسم هو التعويذة الأقوى: “الحرمان من الترشح”. هنا يمسك القدر بخناق الحلم. فما قيمة أميرة في برجها العاجي إن حُرمت من الوصول إلى الساحة الكبرى؟
إنه سيف ديموقليس المعلّق بخيط رفيع فوق تاج طموحها. هل سينقطع الخيط بقرار القضاء، أم سيصمد بفعل قوة الجاذبية الشعبية؟

مستقبلها الرئاسي أشبه بعرش من الزجاج موضوع على قمة جبل في عاصفة. العرش موجود، لامع، مرئي للجميع، ويلمع تحته حلم تاريخي. لكن الرياح العاتية تهب:
– ريح القضاء: قد تهب فتحطم قاعدة العرش قبل أن تصل إليه.
– ريح الرأي العام: قد تتحول من نسمة داعمة إلى إعصار غاضب
– ريح الخصوم: ينتظرون أي فرصة لدفع العرش إلى الهاوية.
– ريح التاريخ: التي تهمس بأن هذه القاعة شهدت سقوط عظماء, وأن القدر يحب المفارقات.
لكن الفَنَك يعرف كيف ينام ملتفا على نفسه في العاصفة، منتظرا انجلاءها. قد تكون الاستراتيجية هي “الانتظار المرن”: تحمل الضربة القضائية إن كانت مخففة، أو تأجيل المعركة الانتخابية دورة واحدة، مع إعادة تشكيل السردية السياسية.

المحكمة فصل واحد فقط من الملحمة. المعركة الحقيقية تدور في قلوب الملايين، وفي شاشات التلفاز، وفي دهاليز السياسة. سواء سقط العرش الزجاجي أم صمد، فإن رائحة الفَنَك – رائحة البقاء، المراوغة، والصبر الطويل — ستظل عالقة في أروقة السياسة الفرنسية لسنين قادمة. إنها حكاية الوحش الصغير الذي يتحدى الصيادين، ويعرف أن أقوى أسلحته ليست المخالب، بل القدرة على البقاء حتى يتحول الصيادون إلى تراب, ويبقى الفنك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *