صراع الشرق وتسونامي سوق النفط

 بقلم جريدة الورقاء

في الخامس من مارس 2026، وبينما كان وزير الاقتصاد الفرنسي رولان لسكور يطمئن مواطنيه عبر أثير إذاعة “فرانس إنفو” بأنه “لا داعي للذعر” إزاء ارتفاع أسعار الوقود، كانت ناقلات النفط العملاقة ترسو في عرض بحر عمان، عاجزة عن عبور مضيق هرمز الذي أغلقت طهران معبّره المائي أمام الملاحة الدولية ردا على الضربات الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير . هذا المشهد المزدوج، الذي يجمع بين هموم المواطن الأوروبي اليومية وتعقيدات الصراع في الشرق الأوسط، يختزل معادلة جيواقتصادية صارخة: أي زلزال في الخليج العربي يحدث تسونامي في أسواق الطاقة العالمية، ويدق أبواب البنوك المركزية من واشنطن إلى فرانكفورت، مرورا بطوكيو.

1- إغلاق “شرايين النفط”: صدمة معروفة بحسابات جديدة

لطالما كان مضيق هرمز نقطة ارتكاز أمن الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو 20 إلى 21 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل ربع إجمالي النفط المتداول بحرا، إلى جانب حصة كبرى من الغاز الطبيعي المسال . لكن الجديد في هذه المواجهة ليس حجم الإغلاق فقط، بل تزامنه مع استهداف مباشر للبنية التحتية للطاقة في عمق منطقة الخليج. فقد أعلنت طهران أنها لا تكتفي بمنع العبور، بل هددت بـ”حرق أي سفينة” تحاول الاقتراب، ووسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت سعودية وإماراتية وقطرية . وكانت الضربات كاشفة: توقف إنتاج الغاز في حقل راس لفان القطري العملاق، واستهداف مصفاة رأس تنورة السعودية، وناقلة نفط قبالة سواحل عمان . هنا يتحول الصراع من “أزمة مرور” إلى “صدمة إنتاج”. التحليل الجيواقتصادي لهذه المرحلة يكشف أن اللعبة لم تعد تدور حول من يسيطر على الممر، بل حول من يستطيع تعطيل طاقة الخصم الإنتاجية، مما ينقل الأزمة من خانة “التهديد” إلى خانة”التنفيذ على الأرض”.

2- الأسواق العالمية: هل نحن على أعتاب “صدمة نفطية رابعة”؟

ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 13% في غضون أيام، ليتجاوز عتبة 80 دولارا للبرميل مجددا، بعد أن كان دون 75 دولارا قبل الضربات . لكن الأكثر إثارة للقلق هو قفزة أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 40%، مع توقف الإنتاج القطري . المشهد الحالي يستدعي المقارنة مع الصدمات النفطية الكبرى في التاريخ الحديث:

– 1973: حظر نفطي عربي أدى إلى مضاعفة الأسعار أربع مرات

– 1979: الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى

– 2022: الحرب الأوكرانية وإعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية

اليوم، تختلف المعادلة. فالعالم ليس في سبعينيات القرن الماضي، والدول المستهلكة الكبرى تملك احتياطيات استراتيجية ضخمة. لكن نقطة الضعف الجديدة هي الترابط الهش بين الأسواق، فصدمة في الغاز القطري تعني شتاء قاسيا في أوروبا، واضطراب في النفط السعودي يعني تضخما في أميركا قبيل انتخابات نصفية حاسمة.

3- فرنسا نموذجا: بين وعود الحكومة وحسابات الجيوسياسية

في باريس، يحاول المسؤولون احتواء التداعيات. إعلان رولان لسكور عن  تكليف “إدارة المنافسة ومكافحة الاحتيال” (DGCCRF) بمراقبة الأسعار ومنع المضاربة يعكس هاجسا حكوميا من تكرار سيناريو 2022، حين بلغ سعر البنزين مستويات قياسية فاقت 2.2 يورو لليتر . ماد بريجون، وزيرة الطاقة، تصف الزيادة الحالية بأنها “بضعة سنتيمات فقط”، وتؤكد عدم وجود خطر على الإمدادات بفضل تنوع المخزون ومصادر الاستيراد . لكنها تعترف بأن استمرار الأزمة مرهون بـ”شدة النزاع”. هذا الاعتراف يعني أن المعادلة الرياضية للحكومة الفرنسية بسيطة بقدر ما هي قاسية: استمرار إغلاق هرمز لأسبوع إضافي = برميل بـ 100 دولار = لتر بنزين يتجاوز 2 يورو مجددا. أما الرد السياسي، فقد تجلى في رفض وزيرة الطاقة عرض مارين لوبان بخفض الضرائب على الوقود، معتبرة أن خفض ضريبة القيمة المضافة وتقاسم إنتاج المواد البترولية (TICPE) سيكلف الخزينة 20 مليار يورو، وهو ثمن لا يمكن تحمله .

4- التداعيات الآسيوية:

حيث يصطدم النفط بالتكنولوجيا التأثير لم يقتصر على أوروبا. في آسيا، كانت أسواق الأسهم في حالة ذهول. كوريا الجنوبية، التي تعتمد بشكل كامل على واردات الطاقة، شهدت مؤشرها تراجعاً بأكثر من 7%، مع خسائر فادحة لأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة مثل سامسونغ (9.9%) وSK هاينكس (11.5%) . البروفيسور كيم داي جونغ من جامعة سيجونغ يفسر ذلك بأن “كوريا اقتصاد يعتمد بشدة على الصادرات، وأي تصعيد في الشرق الأوسط يزيد حالة عدم اليقين” . هذه الشهادة الأكاديمية تكشف عن طبقة أعمق من التحليل: صدمة الطاقة اليوم لا تضرب فقط قطاع النقل والتدفئة، بل تمتد إلى قلب الثورة التكنولوجية العالمية، عبر سلاسل التوريد المعقدة لرقائق السيليكون والمواد المتطورة التي تحتاج طاقة كثيفة في إنتاجها.

5- المستقبل: سيناريوهات بين الرعب والحذر

السيناريوهات المطروحة الآن تمتد بين تفاؤل حذر وكارثة محققة. بعض المحللين، مثل برنشتاين، رفعوا توقعاتهم لبرنت لعام 2026 إلى 80 دولارا، لكنهم يحذرون من أن الأسعار قد تصل إلى 150 دولارا في سيناريو النزاع المطول . خبير ICIS، أجاي بارمال، يتوقع أن أسعار النفط قد تتجاوز 100 دولار إذا استمر تعطل الملاحة في هرمز . بينما يرى البعض الآخر أن الاحتياطيات الاستراتيجية للدول المستهلكة، وقدرة المنتجين خارج منظمة “أوبك” على تعويض النقص، قد تمنع انهيارا كاملا. لكن السيناريو الأكثر رعبا، وهو ما ألمح إليه الجنرال الإيراني، هو أن تصل الأسعار إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر التصعيد وتم استهداف خطوط الأنابيب البرية . هذا السيناريو، وإن بدا متطرفاً، يعيد إلى الأذهان أزمة 1979 ويطرح سؤالا وجوديا حول قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود.

ما يجري في مضيق هرمز منذ 28 فبراير 2026 ليس مجرد فصل جديد في صراع الشرق الأوسط الدائم، بل هو إعلان عن عصر جديد من الهشاشة الجيواقتصادية. ففي عالم ما بعد العولمة، حيث سلاسل التوريد ممتدة، والمخزونات محدودة، والاعتماد على الطاقة منقطع النظير، تتحول كل بقعة نفط في الخليج إلى رهان استراتيجي. فرنسا تطمئن مواطنيها اليوم بأن الزيادة “بضعة سنتيمات”، وبنوك مركزية تتأهب لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة تحسبا بموجة تضخم جديدة، ومستثمرون يبحثون عن ملاذات آمنة. لكن الحقيقة الأعمق هي أن جيوسياسية الطاقة تعود بقوة إلى المسرح العالمي، وهذه المرة بأدوات أكثر تطورا، ومسرح أوسع، وتداعيات تطال كل منزل في الغرب وكل مصنع في الشرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *