ضربات أميركية–إسرائيلية ضد إيران

بقلم د. زكية لعروسي

يشكّل التصعيد العسكري من جانب أمريكا  إسرائيل ضد إيران  لحظة مفصلية في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق العربي، ليس فقط بوصفه مسرح عمليات، بل باعتباره مجالا حيويا تتقاطع فيه استراتيجيات الردع، وأمن الطاقة، وتوازنات الهوية والشرعية. فإيران لا تختزل في كونها دولة ذات برنامج نووي أو صاروخي، بل هي فاعل إقليمي نسج، منذ 1979، شبكة نفوذ ممتدة عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما يجعل أي ضربة عسكرية موجهة إليها ذات أثر ارتدادي يتجاوز حدودها السيادية إلى عمق المجال العربي.

من الناحية الجيوسياسية, يقتضي النظر إلى الشرق العربي بوصفه قوسا جغرافيا يبدأ من الخليج العربي ويمتد إلى شرق المتوسط، حيث تتجاور ممرات الطاقة، وخطوط الإمداد البحرية، وحدود الدول الهشة. إن أي استهداف مباشر لإيران يعيد تفعيل معادلة «المجال الحيوي المتداخل»، إذ يصبح العراق ساحة اختبار أولى، بحكم تركيبته السياسية والأمنية، وسوريا نقطة تماس مفتوحة بين إسرائيل وإيران، ولبنان مخزون ردع غير مباشر عبر معادلة القوة التي يمثلها حزب الله فيما يبقى اليمن منصة ضغط على الملاحة في البحر الأحمر. بهذا المعنى، فإن الشرق العربي لا يستقبل الصدمة من الخارج فحسب، بل يعيد إنتاجها داخليا ضمن شبكة ترابط أمني معقدة.

من زاوية ميزان القوى، تمثل الضربات محاولة لإعادة تثبيت تفوق نوعي إسرائيلي–أميركي في مواجهة استراتيجية إيرانية قائمة على «الردع غير المتكافئ». تعتمد طهران على توزيع المخاطر بدلا من تركيزها، أي نقل ساحة المواجهة إلى أطراف متعددة بدل حصرها في أراضيها. وهنا تكمن معضلة الشرق العربي: فالدول الواقعة في هذا القوس الجغرافي تجد نفسها بين مطرقة الضغوط الأمنية وسندان الحاجة إلى الاستقرار الاقتصادي. إن تهديد الملاحة في Strait of Hormuz أو امتداد التوتر إلى شرق المتوسط لا يهدد إيران وحدها، بل يضع اقتصادات الخليج وبلاد الشام أمام تقلبات حادة في أسواق الطاقة والاستثمار. في العمق، تعكس المواجهة صراعا على تعريف النظام الإقليمي نفسه: هل يكون شرقا عربيا مندمجا في منظومة أمنية تقودها واشنطن وتتمحور حول أمن إسرائيل، أم فضاء متعدد الأقطاب تتقاطع فيه أدوار قوى دولية كبرى مع أدوار إقليمية صاعدة؟

إن التحرك العسكري، إن وقع، لا يهدف فقط إلى تحييد قدرات عسكرية، بل إلى رسم حدود النفوذ وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات المحدودة قد تعزز سردية الصمود داخل إيران، بينما يظل الشرق العربي معرضا لارتدادات طويلة الأمد، من تصاعد الاستقطاب الطائفي إلى إعادة تموضع التحالفات. تتجلى المفارقة في أن الدول العربية المعنية تسعى، في الوقت ذاته، إلى تخفيف التوتر مع طهران عبر قنوات دبلوماسية، وإلى الحفاظ على شراكاتها الأمنية مع واشنطن. هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكا بأن أي انهيار شامل في العلاقة الأميركية–الإيرانية سيحوّل أراضي الشرق العربي إلى خطوط تماس مفتوحة. ومن هنا، يصبح العامل الحاسم ليس فقط في حجم الضربة أو نطاقها، بل في قدرة الأطراف على إدارة «حافة الهاوية» دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. إن الضربات الإسرائيلية والأميركية ضد إيران هي حلقة في صراع بنيوي على هوية الشرق العربي ودوره في النظام الدولي. إنها مواجهة بين منطق الردع بالقوة ومنطق النفوذ الشبكي، وبين مشروع احتواء تقليدي ومحاولات إعادة تعريف موازين القوة. وبين هذين المسارين، يبقى الشرق العربي فضاء يتلقى الصدمة ويعيد تشكيلها، في معادلة لا تحسمها الضربات بقدر ما ترسمها التفاعلات طويلة المدى بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *