فياضانات لقصر لكبير: عندما يغيب الضمير؟

بقلم د. زكية لعروسي

يا من سميتم منتخبين…لم تكونوا ضحايا المطر بل كنتم مناخه, لم تفاجئكم الفيضانات لأنها سكنت قراراتكم قبل أن تدخل الأزقة وتسربت إلى مكاتبكم قبل أن تتسلل إلى البيوت. المدينة لم تغرقها السماء بل أغرقها سوء التمثيل، ذلك الكائن الهجين الذي يولد حين يتحول الانتخاب من تكليف إلى غنيمة، ومن أمانة إلى إمتياز، ومن فلسفة للتسيير المحلي إلى تدبير موسمي يستهلك ثم يرمى حين يداهم الطين الناس. أيها المنتخبون…لم تخطئوا التقدير بل غادرتم الفكرة من أصلها، جلستم على كراسي اللامركزية، لا كمن يحمل عبئا بل كمن وجد كنزا بلا حارس، فبعتم المجاري قبل أن تحفر، ووقعتم الصفقات قبل أن تسألوا أين سيمر الماء، وأين سيقف الإنسان. هكذا صار الوادي أصدق من المجلس، وصار الطين أكثر شفافية من التقارير، وصارت الكارثة اللغة الوحيدة التي تفهمها مدينة تركت تحت رحمة جهل متأنق يلبس ربطة عنق، ويبتسم في الصور الرسمية بينما الجدران تصرخ. المنتخبون هنا ليسوا فاسدين فقط بل مشوهي الوظيفة…مسوخ إدارية تتقن الخطابة أكثر من التخطيط وتحفظ الشعارات أكثر من الخرائط وتؤمن أن الفيضان قضاء وقدر لا علاقة له بقنوات مسدودة، ولا بمشاريع مؤجلة، ولا بأموال دارت في حلقات ضيقة.أي ديمقراطية هذه حين تورث المسؤولية كما تورث الأرض!؟ وأي تمثيل هذا حين يتحول المجلس المحلي إلى سوق عائلية يتقاسم فيها النفوذ كغنيمة بعد معركة لم يخضها أحد. المدن لا تموت بالماء بل تموت بالإهمال المتراكم، وبالقرارات الكسولة، وبالتخطيط الذي يؤجل لأن ثمنه لا يدفع فورا. تموت حين يترك مستقبلها في يد من لا يرى أبعد من ولايته، ولا يسمع أبعد من دائرة مصالحه. هنا تتحول اللامركزية من قيمة إلى خطر، وتصير الديمقراطية المحلية كارثة مؤجلة تنتظر أول مطر كي تفضح هشاشتها. وهنا يحق لنا أن نسأل لا بسخرية بل بمرارة فلسفية هل نغير إسم المدينة بعد هذا الخراب!؟ لا لأن الاسم مذنب بل لأن المعنى إختُطف، ولأن المدينة التي كانت كائنا حيا صارت رقما في بلاغ وصورة في خبر عابر. هذا ليس هجوما على الدولة، بل محاسبة أخلاقية للمنتخبين المحليين حين يخونون فلسفة اللامركزية، ويحولون القرب من المواطن إلى قرب من الجيب، ويستبدلون التخطيط بالتبرير. قال الفيلسوف: إن أخطر الأكاذيب هي تلك التي تتخفى في ثوب الفضيلة، وإن أسوأ أنواع الفساد هو الذي يتكلم باسم الناس ثم يختفي عند أول إمتحان. أنتم لم تكونوا شرا بل خواء، والخواء حين يدير يحول المدن إلى مستنقعات، لا لأن الماء كثر بل لأن العقل غاب عند مقارنة التجربة المحلية بتجارب دولية، تتضح أن المدن التي تديرها مجالس محلية بلا ضوابط واضحة، كما في بعض مناطق جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، تشهد فيضانات كارثية مماثلة نتيجة غياب التخطيط الاستراتيجي وضعف المساءلة. في المقابل، مدن مثل طوكيو أو أمستردام أو كوبنهاغن تعتمد على إدارة محلية متكاملة، خطط وقائية، واستثمارات في البنية التحتية للمياه، مع إشراف مركزي دقيق، فتقل فيها المخاطر الطبيعية إلى الحد الأدنى رغم التعرض نفسه للفيضانات. هذه المقارنة تثبت أن الحل لا يكمن في زيادة الميزانيات فقط، بل في ثقافة الحكامة، الكفاءة، والمساءلة الأخلاقية للمنتخبين المحليين، وهو ما غاب عن مدننا المتضررة.

نحن المدينة التي تقول اليوم كفى

كفى من مجالس تشرح الفشل ولا تمنعه

كفى من صور وسط الطين ووعود بعد الكارثة

كفى من بطولات موسمية تولد في الأزمة وتموت بعدها

نحن أصحاب مطلب واضح:

ألا يسلم مصير المدن لمن لا يرى أبعد من ولايته، وأن تعاد الأخلاق إلى السياسة المحلية، والكفاءة قبل الشعبية، والمعنى قبل الشعارات. هذا ليس غضبا بل إعلان وعي، ليس تمردا بل تصحيح مسار, ومحاسبة فلسفية لأن المدينة التي تفهم سبب غرقها لن تغرق مرتين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *