بقلم زكية لعروسي
في قاعة مرايا الاقتصاد العالمي، حيث تنعكس الأزمات ككرات بلورية متشظية، تظهر الولايات المتحدة بارعة في فن تحويل الرعب المالي إلى كعكة ذهبية. بينما يهدد ترامب ألمانيا برسوم جمركية جديدة، وكأنه ساحر يستعرض عصاه في سيرك السياسة الدولية، وتتجاوز أسعار الذهب والفضة مستويات قياسية كأنها أبراج تتحدى الجاذبية، تطل أمريكا من شرفة المصنع العالي حيث تُصهر التناقضات العالمية إلى سبائك من النفوذ. ها هو الذهب، ذلك المعدن الأسطوري الذي طالما أغوى القياصرة والقراصنة، يصل إلى مستويات سعرية أسطورية. لكن في اقتصاد العجائب الأمريكي، هذا الصعود ليس مجرد مؤشر على ذعر المستثمرين، بل هو تيار يحمل في أعماقه فرصاً وافرة. فالدولار الأمريكي، ذلك التنين الحديث، يزدهر في أوقات الاضطراب كعملة ملاذ آمن، بينما تشتري المؤسسات الأمريكية -من صناديق التحوط إلى البنوك المركزية- الذهب بأثمان اليوم لتبيعه في مستقبل أغلى. والعجيب أن تهديدات الحرب التجارية، كتلك الموجهة لألمانيا بتهمة “تجاوز الخط الأحمر”، لا تزيد من عزلة أمريكا بل تعزز من وضعها التفاوضي. ففي سوق القلق العالمي، يصبح الاقتصاد الأكبر والأكثر تنوعا -بكل تناقضاته- هو الميناء الذي تلجأ إليه السفن المهتزة.
تهديد ترامب لألمانيا ليس خطأ في الحساب، بل هو جزء من مسرح غرائبي حيث تتحول الدبلوماسية إلى استعراض قوة، والاقتصاد إلى سلاح مسرحى. فبحساب اقتصادي بارد: الرسوم الجمركية ترفع أسعار الواردات، مما يدفع المستهلكين الأمريكيين نحو المنتجات المحلية، وتخلق ضغوطا على الشركات الأجنبية لإقامة مصانع على الأراضي الأمريكية. ألمانيا، بقوتها التصديرية، تجد نفسها في مأزق وجودي: إما أن تتفاوض من موقع الضعيف، أو تخسر سوقا حيوية. وفي هذه الأثناء، تجمع الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات من الرسوم، بينما تستفيد الشركات الأمريكية من انزياح الطلب نحو منتجاتها. إنها معادلة عجيبة: التهديد يولد الخوف، والخوف يولد الاستسلام، والاستسلام يولد المكاسب.
في مختبر الاقتصاد الكلي الأمريكي، تتحول الصدمات الخارجية إلى محفزات داخلية. فمع كل أزمة جيوسياسية، يهرع المستثمرون العالميون إلى الأصول الأمريكية كالسندات الحكومية والأسهم الكبرى. ومع كل ارتفاع في أسعار الذهب والفضة، تزداد قيمة الاحتياطيات الأمريكية وتقوى قدرة النظام المالي على توليد الائتمان. حتى التضخم الناتج عن الحروب التجارية له جانبه المشرق في هذا المشهد الغرائبي: فهو يقلل من القيمة الحقيقية للديون الأمريكية الهائلة، وكأن الدولة تستخدم آلة زمن مالية لتقليص أعباء الماضي على حساب حاضِر الآخرين. تقف أمريكا اليوم كحارسة لأكبر طاحونة عجائب اقتصادية في التاريخ: طاحونة تطحن التهديدات الجمركية إلى تفوق تفاوضي، وتصهر القلق العالمي إلى تدفقات مالية، وتحول بريق الذهب إلى هالة للدولار.
في هذا المشهد السريالي، حيث يلوح الساسة بأوراق الرسوم الجمركية كالمشعوذين يلوحون بتمائمهم، وتلامس أسعار المعادن النفيسة عنان السماء كأنها تعانق المستحيل، تبقى الولايات المتحدة في مركز الدوامة، تستفيد من الفوضى التي تشارك في صنعها، وتحصّل ثمن الأمان في عالم تزداد خطورته. إنه اقتصاد الغرائب والعجائب، حيث يكون الرابح الأكبر هو من يملك مفاتيح الطاحونة، ويجيد تحويل هرج العالم إلى ذهب.
