بقلم زكية لعروسي، باريس
في زمن تتشابك فيه الوقائع مع السرديات، برزت وثيقة محكمة التحكيم الرياضي كقطعة قانونية ثقيلة الوزن، لا يمكن قراءتها بسطحية، ولا يجوز توظيفها خارج سياقها المؤسسي. فبين سطورها، لا نجد حكما نهائيا، ولا انقلابا على قرار سابق، بل مجرد إعلان إجرائي يؤكد تسجيل طعن تقدمت به جهة معنية، وفق ما تكفله القوانين الرياضية الدولية. إن الوثيقة، في جوهرها، صحيحة من حيث المضمون العام: فقد سجلت محكمة التحكيم الرياضي طعنا للاتحاد السنغالي ضد قرار الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، الذي قضى باعتبار المنتخب السنغالي منهزما بالانسحاب، ومنح الفوز للمنتخب المغربي بثلاثية نظيفة. غير أن الذكاء في القراءة يقتضي التمييز بين “تسجيل الطعن”و”البت فيه”، فالأول إجراء شكلي يفتح باب التقاضي، بينما الثاني هو جوهر العدالة الذي لم يحسم بعد. ومن هنا، فإن أي محاولة لتقديم الوثيقة كدليل على اهتزاز القرار السابق، أو كإشارة ضمنية إلى أحقية طرف دون آخر، ليست سوى قراءة متسرعة، تفتقر إلى العمق القانوني. فمحكمة التحكيم الرياضي، بحكم طبيعتها، لا تنحاز إلا للحجج، ولا تصدر أحكامها تحت ضغط الرأي العام أو صخب الإعلام، بل وفق مساطر دقيقة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف.

وفي قلب هذا المشهد، يقف المغرب بثقة المؤسسات، لا بثقة اللحظة. فالفوز الذي أُقرّ له لم يكن نتيجة فراغ، بل استند إلى قرار صادر عن هيئة قارية مخولة، بعد واقعة اعتبرت إخلالا واضحا بقوانين اللعبة. وبالتالي، فإن الدفاع عن هذا المكسب لا يتم عبر الخطاب العاطفي، بل عبر التمسك بشرعية القرار ومتانة المسار الذي أفضى إليه. إن البعد الوطني في هذه القضية لا يتجلى في رفع الشعارات، بل في إعلاء قيمة القانون، وفي الثقة بأن العدالة الرياضية، مهما طال أمدها، لا بد أن تستقر على أساس صلب. فالمغرب، الذي راكم إنجازاته على أرضية اللعب النظيف والانضباط المؤسساتي، لا يخشى الاحتكام إلى أعلى الهيئات القضائية، لأنه يدرك أن قوته لا تكمن فقط في الأداء الرياضي، بل في احترامه لقواعد اللعبة بكل أبعادها.

وعليه، فإن الوثيقة، رغم صحتها، لا تحمل في طياتها ما يقلق بقدر ما تفتح فصلا جديدا من التقاضي، فصلا سيكتب بالحجج القانونية لا بالعناوين العريضة. وبين انتظار الحكم النهائي، يبقى الرهان الحقيقي هو صون مصداقية الكرة الإفريقية، وترسيخ مبدأ أن العدالة، في الرياضة كما في غيرها، لا تُتنزل في لحظة، بل تبنى عبر مسار. إنها، ليست مجرد قضية بين منتخبين، بل اختبار لنضج المنظومة الكروية، ولقدرة المؤسسات على حماية قراراتها ضمن فضاء قانوني عادل. وفي هذا الاختبار، يبدو المغرب مستعدا، لا للدفاع فقط، بل لتأكيد أن شرعية الانتصار لا تهتز أمام أي طعن، ما دامت قائمة على أساس قانوني راسخ.
📲 Partager sur WhatsApp
العقل القانوني هو ما سيفصل في الملف بعيدا عما يدور في مستنقع وجه من وجوه افريقيا. ليس هذا هو الملف الأول الذي دبره المغرب بكل جدية وندية تنهض على مفهوم الحق، في هذا المستنقع، ما تطلب نصف قرن من الصمود والمقاومة والاصرار، إلى أن اقتنع المنتظم الدولي في النهاية بالحق المغربي في أرضه.