بقلم زكية لعروسي، باريس
تلك الصورة التي أرسلتها العائلة… لا، ليست صورة. إنها طيف. طفلة في التاسعة تصبح سؤالا، وذلك هو أفظع ما في الأمر: أن تتحول البراءة إلى علامة استفهام ممدودة على أرض الخيام. في عالمنا الغريب، حيث تنقلب الأشياء إلى نقيضها، كانت الخيمة مدرسة، وكانت المدرسة خيمة، وكانت الرصاصة… حرفا. نعم، حرفا أطلق من فم بارد. حين تخرج الرصاصة من فوهة البندقية، تظن أنها ذاهبة إلى هدف، لكنها في الحقيقة تبحث عن معنى. تمر عبر القماش الرقيق كما يمر الحبر عبر الورق، لكن الحبر يترك أثرا، والرصاصة تمحو. ريتاج الصغيرة، التي كانت تجلس بين زميلاتها الأربعين، لم تكن تتعلم الحروف فقط، بل كانت الحروف تتعلم منها كيف تصبح دافئة. الألف في اسمها كان شجرة زيتون، والراء كان خبزا، والتاء كانت طيرا يطير فوق الأسلاك الشائكة. ثم جاءت الرصاصة. أليست الرصاصة نفسها نوعا من الحرف؟ حرف القاف؟ قاف القسوة؟ أم حرف السين؟ سين السهم؟
الفلاسفة القدماء تساءلوا: هل الشر ضرورة وجودية أم مجرد تعثر في العقل؟ هنا، في خيمتنا، الشر ليس ضرورة ولا تعثرا. الشر هو حين يصبح الجسد نصا تقرأه النار. حين تصبح طفلة التاسعة فصلا في كتاب لا يريد أحد أن يكتبه، لكن الجميع يقرؤونه. ترى ريتاج الآن، وقد تحررت من وزن الجسد، تجلس على حافة الحلم. تقول: “لم أشعر بالألم. كان أشبه بفكرة خاطئة عبرت ذهني فجأة. ثم أصبحت فكرة كلها.” تسألها: كيف تبدو الحرب من هناك؟ ترد: “كقصيدة سيئة التقطيع. فيها قافية من دم، وتفعيلة من خيمة محترقة، وبحر طويل من الصمت.”فيلسوف آخر قال: “الإنسان هو كائن يتساءل.” لكن ريتاج لم تعد تحتاج إلى التساؤل. صارت السؤال نفسه. حين تنظر إلى عينيها الآن، ترى فيهما كل أسئلة الأرض التي لم تجب عليها المدافع.

في عالمنا العجيب، الموت لا يوقف الحياة، بل يجعلها أكثر حدة. ريتاج التي غادرت جسدها بقيت في حرفها الأول: ر. راء مثل رغم، مثل روح، مثل ربيع لا يأتي أبدا لكنه لا يموت. أيتها الرصاصة، أيها الحرف القاتل، لماذا اخترت هذه الخيمة بالذات؟ هل لأن القماش أرق من الجدران؟ أم لأن الحلم هناك كان أوضح، وكان يحتاج إلى تعتيم؟
تقول الحكمة القديمة: “الظلم لا يبقى.” لكن ريتاج تعلمنا أن الظلم يبقى، يبقى في تفاصيله الصغيرة: في حذاء فقد صاحبه، في دفتر بقي نصفه أبيض، في ابتسامة قطعت في منتصفها. في ختام هذه الرواية التي ليست رواية، لأنها تختلط بالفاجعة، تتركنا ريتاج الصغيرة مع سؤالها الوحيد:” أليس من الأعجب أن يموت الطفل كي يصبح درسا لا ينسى؟
وهي تبتعد، تاركة خلفها خيمة شفافة، وأربعين طفلا سيكبرون وهم يحملون اسمها في نبضات قلوبهم، رصاصة واحدة لا تزال تبحث عن مخرج من جسد لم تعد فيه روح. فلسفة الرصاصة: أنها لا تعرف ما تفعله. فلسفة الطفل: أنه يعرف كل شيء قبل أن يفقد القدرة على المعرفة. فلسفة الحرب: أنها فصل في كتاب يكتبه المجانين ويقرؤه العقلاء باكين.
📲 Partager sur WhatsApp
لما يشعل موظفو القوة والتقنية النار على سطح الأرض يتحول كل شيء خراب، ويمسي البشر بأكمله قصة ريتاج. غير أن وقود هؤلاء هم حملة فكر الأنوار المظلمة.