بقلم: زكية لعروسي
في عالم تتشابك فيه خيوط المال الأسود مع بياض الياقات المصرفية، تطل علينا قضية جيفري إبستاين من جديد، لكن هذه المرة من بوابة النظام المصرفي الفرنسي. فبين أروقة بنك BNP Paribas العريق، حيث تدار ثروات النخبة بكل هدوء ووقار، تختبئ تفاصيل دامغة عن علاقة المصرف بممول اعتاد شراء الأجساد كما تشترى الأسهم في البورصة. ليست القضية مجرد حكاية مصرف انفتحت حساباته لعميل ثري. إنها قصة أعمق من ذلك، تتعلق بمناعة المنظومة المصرفية الدولية أمام تدفقات رأس المال الآتية من أغوار العالم السفلي. فجيفري إبستاين لم يكن مجرد زبون عابر، بل كان “مستثمراً” محترفا في تجارة البشر، استطاع أن يحول ودائعه المصرفية إلى وقود يحرك به رحلاته الخاصة التي أطلق عليها موظفو البنوك تسمية “رحلات الفتيات” … تسمية باتت اليوم وصمة عار في جبين المؤسسات التي تغاضت عنها. ما يثير الدهشة حقا ليس وجود حسابات لإبستاين في BNP Paribas، فهذا الرجل كان يتنقل بين بنوك العالم كالنحلة بين الأزهار. بل المثير هو ذلك الصمت المطبق الذي يلف القطاع المصرفي الفرنسي برمته، وكأن لا أحد كان يعلم أن مليونير نيويورك الذي يقيم في أفخم شقق باريس يمول شبكة دولية لاستغلال القاصرات.
حين اكتشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن الحساب الباريسي للرجل أغلق في 2018، تساءل الجميع: أكان الإغلاق بدافع أخلاقي أم خوفا من عقوبات أمريكية؟ فبنك BNP Paribas يحمل في جعبته جراح غرامة التسعة مليارات دولار التي دفعها عام 2014 لخرقه العقوبات الأمريكية ضد دول مثل كوبا والسودان. فهل كان المصرف يخشى غضبة واشنطن أكثر من خشيته لضحايا إبستاين؟ الغريب أن إبستاين، رغم إغلاق حساباته في باريس، بقي يتردد على العاصمة الفرنسية حتى آخر أيامه. كان يمشي في حدائقها ويتعشى في مطاعمها، وكأنه لم يخسر شيئاً. وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر: أين كانت رقابة السلطات الفرنسية طوال تلك السنوات؟ كيف لمصرف فرنسي كبير أن يكون طرفا في شبكة عالمية للاتجار بالبشر دون أن تتحرك الجهات الرقابية؟
إن إطلالة BNP Paribas على قضية إبستاين ليست سوى وجه واحد من مكعب أسود ضخم. فهناك دويتشه بالبنك الألماني الذي بقي مخلصا لإبستاين بعد أن طردته باقي البنوك، وهناك UBS السويسري الذي أدار له صناديق استثمارية معقدة. إنها شبكة مصرفية دولية لعبت دورا في إخفاء ثروات رجل كانت ضحاياه يبكين في الزوايا. في هذا السياق، تبدو تصريحات هيلاري كلينتون الأخيرة عن كونها “مجرد ورقة توت لترامب” ساذجة إلى حد كبير. فالقضية ليست ديمقراطية ولا جمهورية، ليست كلينتون ولا ترامب. القضية أبشع من ذلك: إنها عن نخبة عالمية متكاملة، سياسية ومالية وإعلامية، تغض الطرف عن الجرائم مقابل خدمات متبادلة ومصالح مشتركة. يبقى السؤال معلقا في الهواء: هل ستكشف التحقيقات الجارية عن المزيد من البنوك الفرنسية المتورطة؟ وهل ستستعيد باريس هيبتها الرقابية التي فقدتها حين فتحت أبوابها لرجل كان ينظر إلى باريس كسوق لشراء الضحايا كما تشترى الهدايا التذكارية من محلات الشانزليزيه؟ ما يحدث اليوم ليس مجرد فضيحة مالية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لنزاهة النظام المصرفي الدولي برمته. وفي هذا الامتحان، يبدو أن معظم البنوك الكبرى رسبت، ليس لأنها .فتحت حسابات لإبستاين، بل لأنها فضلت أرباحه على كرامة بناتنا
