بقلم د. زكية لعروسي
في صباح ، وأنا أحدث صديقي يوسف شهاب, بعد عودته من الديار المقدسة, عن حنين قديم يسكنني، حنين إلى الديار المقدسة، إلى رحلة عمرة أرجو بها صفاء القلب وانكسار الروح بين يدي الله. كنت أتصوّرني هناك – ونحن نتجاذب أطراف الفكر والسياسة والروحانيات -، في رحاب المسجد الحرام، أحدّق في الكعبة المشرفة، حيث تتجرّد الدنيا من زينتها، وتبقى الروح وحدها في حضرة المطلق. كنت أرى مكة كما تخيّلتها الذاكرة الجمعية: مدينة بيضاء القلب، بسيطة الملامح، يغمرها سكون شفيف من حبات الرمل، كأن الزمن فيها يمشي على أطراف أصابعه. لكنّ صديقي يوسف، بواقعية صادمة، قال لي: “على بعد مائة وخمسين مترا من الصحن، ستجدين مطاعم عالمية… ستجدين KFC وMcDonald’s، وسترين واجهات زجاجية مضاءة، وأسواقا وفنادق شاهقة. لم تعد مكة كما تتخيّلينها في كتب السيرة أو في صور الأبيض والأسود. كلّ شيء تغيّر.”
توقفت عند عبارته: كلّ شيء تغيّر. وهنا انفتح السؤال الفلسفي الكبير: هل يليق بالمكان الأقدس أن يجاوره صخب الحضارة الحديثة؟ أم أن قدسيته لا تمسّ، مهما تبدّلت العمارة وتغيّرت الواجهات؟ بين روح المكان وشكل المدينة ليست القداسة حجرا، ولا الزهد طينا في جدار. القداسة معنى يسكن القلوب، والزهد حالة روحية لا تفرض بالعمارة ولا تحفظ بالفقر العمراني. إنّ مكة المكرمة لم تكن يوما خارج الزمن، بل كانت في كل عصر مرآة لحال المسلمين: إن ازدهروا ازدهرت، وإن ضعفوا انعكس ضعفهم عليها. فهل الحضارة نقيض الروحانية؟ أم أن الروحانية الحقّة قادرة على أن تتعالى فوق مظاهر الاستهلاك؟ ثمة من يرى أن بساطة المكان تعين القلب على الخشوع، وأن تجرّد البيئة من البهرج يحمي التجربة الدينية من التشويش. وهذا رأي له وجاهته؛ فالصمت الخارجي كثيرًا ما يكون بوابةً إلى السكينة الداخلية. لكن في المقابل، هناك من يرى أن التيسير والخدمات والبنية الحديثة ضرورة لملايين الحجاج والمعتمرين الذين يفدون من أصقاع الأرض، وأن العمران المتطور ليس إفسادا للروح، بل خدمة للجسد الذي يحملها. هل تغيّر المكان أم تغيّرت نظرتنا؟
ربما تكمن المعضلة في توقّعاتنا نحن. نحن الذين نحمّل المكان صورة مثالية رسمناها في مخيّلتنا، ثم نصدم حين لا يطابق الواقع الحلم. نريد مكة كما كانت في القرون الأولى، لكننا نصل إليها بهواتف ذكية، وننزل في فنادق مكيّفة، ونبحث عن شبكة إنترنت مستقرة. ألسنا نحن أبناء هذا العصر؟ فكيف نطلب من المدينة أن تتجمّد خارج الزمن، بينما نحن نعيش في قلبه؟ إن وجود مطعم عالمي قرب الحرم لا يسلب الكعبة المشرفة جلالها، كما أن اختفاء تلك المطاعم لن يضمن خشوع القلب إن كان مشتتا. الروحانية ليست رهينة المشهد الحضري، بل رهينة الاستعداد الداخلي. نحن لا نذهب إلى مكة لنجد عالما حضاريا يضاهي العواصم الكبرى، ولا لنجرّب مطاعم الغرب تحت ظلال المآذن. نحن نذهب لنجد أنفسنا. لكن هل يمنعنا وجود العالم من أن نجد تلك النفس؟ وها مكة مقصد الأرواح أم مرآة العالم؟
ربما كانت مكة اليوم صورة مكثّفة للعالم الإسلامي ذاته: فيها القديم والجديد، الزهد والثراء، الخشوع والازدحام، البساطة والفخامة. إنها ليست متحفا للتاريخ، بل مدينة حيّة تتنفس، تستقبل الملايين، وتستجيب لتحولات العصر. السؤال إذن ليس: هل كان ينبغي أن نحافظ عليها في براءتها الأولى؟ بل: هل نستطيع نحن أن نحافظ على براءتنا الأولى ونحن نطوف بها في حضارة تلوّن الروح وربما تكشف معدنها؟ الحضارة ليست لونا واحدا. هي أدوات ووسائل، يمكن أن تكون جسرا للعبادة كما يمكن أن تكون حجابا عنها. الفندق المرتفع قد يكون مكانا لراحة الجسد ليستطيع القلب أن يخشع. والمطعم القريب قد يكون خدمةً لمعتمرٍ أنهكه السفر. الخطر ليس في العمران، بل في أن تتحول الرحلة من عبادة إلى استهلاك، ومن حضور روحي إلى تجربة سياحية. إن مكة لا تفقد روحها بوجود مطعم عالمي، لكنها قد تفقد شيئا من صورتها الرمزية في أذهاننا. وهنا يكمن الألم: بين صورة متخيّلة نحملها في القلب، وواقع حضاري يفرض نفسه على الأرض. فهل الحضارة – إذن- في صبغتها الأولى نقية وبريئة؟ أم أن كل حضارة تحمل في طيّاتها قابلية التبدّل، فتأخذ من روح العصر كما تأخذ منه؟
ربما الجواب الأصدق أن الروحانية ليست في الجدران، بل في الاتجاه. ليست في شكل المدينة، بل في وجهة القلب. نذهب إلى مكة لا لنحاكم عمرانها، بل لنحاكم أنفسنا. فإن وجدنا قلوبنا حاضرة، لم تضرّنا ناطحةُ سحاب، ولم يُفسد علينا الخشوع مطعمٌ مضيء. مكة باقية بما تمثّله، لا بما يحيط بها. والكعبة قبلةُ الأرواح، سواء أحاطت بها بيوت الطين أو أبراج الزجاج. ويبقى السؤال معلّقا، لا ليجاب عنه نهائيا، بل ليظلّ يوقظ فينا الوعي: كيف نحفظ روح المكان… ونحن أبناء زمن لا يكفّ عن التغير والتطور؟
