بقلم د.زكية لعروسي مختصة في النحو والحضارة العربية
لم يكن سوى بحر يتأرجح بين ضفّتين، يهمس بلغة الملح والريح. ثم قامت مدينتان، كأنهما شقيقتان تفصل بينهما صفحة ماء: الرباط تصغي إلى الأطلس وهو يتهجّى أسماء الملوك، وباريس تصغي إلى السين وهو ينسج على ضفافه حكايات الفلاسفة. ومن بين الهمسين، ولدت إرادة أن تصاغ الصداقة لا كزائر عابر، بل كعهد مكتوب على ألواح الزمن. ها هما المغرب وفرنسا يقتربان من معاهدة صداقة استراتيجية تدشّن أفق 2026، معاهدة لا تعلّق على شماعات اللحظة، ولا تتكسّر على صخور الطارئ، بل تبنى كقنطرة من حجر صقيل، تعبر بها الأجيال من ضفة إلى ضفة، بطمأنينة البناء الذي يعرف أن الأساس أصدق من الزخرف…إنها هندسة الثقة وتحوّل السياسة إلى عمارة.
ليست المعاهدات مجرّد توقيعات على ورق؛ إنها هندسة ثقة. كأنّ الرباط وباريس اتفقتا أن تخرجا العلاقة من رواق المجاملة إلى صحن المؤسّسة، حيث تضبط الإيقاعات، وتحدَّد المسارات، ويحمى المشترك من عواصف السياسة العابرة. في هذا السياق، يلوح اسم محمد السادس كربّان يمسك بالبوصلة في بحر متقلّب. ليست الحنكة عنده خطابا، بل صبر البنّاء الذي يختبر الحجارة قبل أن يرفع القباب. وعلى الضفة الأخرى، يظهر إيمانويل ماكرون وقد أدرك أن المستقبل في غرب المتوسط لا يصاغ إلا بشراكة متوازنة، تحسن الإصغاء كما تحسن المبادرة. مرّت العلاقة بمواسم مدّ وجزر، كما تمرّ البحار بعواصفها. غير أنّ النضج هو أن يتحوّل الخلاف درسا، وأن تصير العثرة عتبة أعلى. هكذا تدرّجت العلاقة من برودة اللحظة إلى دفء الرؤية، ومن حسابات التأشيرات إلى حسابات الاستراتيجية، ومن سجالات التصريحات إلى عمق المؤسّسة. في زيارة مفصلية، صافحت الرمزية الواقعية، حين وقف ماكرون في الرباط مخاطبا برلمانها، معلنا دعما صريحا لمغربية الصحراء، ومؤكدا أن الحاضر والمستقبل يبنيان في إطار السيادة المغربية. لم يكن ذلك مجرّد موقف، بل تحوّلا في هندسة التوازنات، وإشارة إلى أن باريس قرأت خرائط المنطقة بعين جديدة.
في سيرة السياسة المغربية، تتجلّى مدرسة خاصة: لا استعجال في القرارات الكبرى، ولا انفعال في المنعطفات الحادة. إنّها سياسة النفس الطويل، التي تجعل من التراكم فضيلة، ومن الثبات قيمة. هكذا تدار العلاقات: ترمَم ما تشقّق، ويعاد ترتيب الأولويات، ويستثمر الزمن نفسه كحليف. ريادة محمد السادس ليست في رفع الصوت، بل في خفضه حين يلزم، وفي فتح الأبواب حين تغلق النوافذ. من إفريقيا إلى أوروبا، ومن الاقتصاد الأخضر إلى الدبلوماسية الهادئة، يمضي المغرب في تثبيت موقعه كقوة إقليمية وازنة، تحسن تحويل الجغرافيا إلى قدر إيجابي
.
المعاهدة المرتقبة ليست ورقة إضافية في أرشيف الخارجية؛ إنها قنطرة من ضوء، تنظم التعاون في الدفاع والاقتصاد والثقافة والبحث العلمي، وتؤطّر الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، وتمنح الشراكة حصانة من تبدّل الحكومات وتعاقب المواسم السياسية. كأنّ الرباط وباريس قررتا أن تخرجا الصداقة من حيّز العاطفة إلى حيّز التخطيط، وأن تلبساها درعا مؤسساتيا يحفظها من التقلّب. فالصداقة، حين تكتب في دفاتر الاستراتيجية، تصير أطول عمرا من العناوين.
هكذا، بين الأطلس والسين، يكتب فصل جديد. فصل لا يراهن على الماضي وحده، بل على قدرة الحاضر على الابتكار. في الأسواق، في الجامعات، في موانئ المتوسط، وفي ردهات المنظمات الدولية، تتعانق المصالح كما تتعانق اللغات. إنها علاقة مدنية، تنبذ الانفعال وتحتفي بالعقل، وتعلي من شأن التنمية المشتركة، وتحوّل السياسة من ساحة صراع إلى مائدة تفاهم. وفي قلبها، ملك يقود بخطى رزينة، ورئيس يعترف بأن الشراكة مع المغرب ليست خيارا ظرفيا، بل استثمارا في استقرار أوسع. وعند أفق 2026، حين توقَّع المعاهدة، ستكون لحظة يقال فيها إن البحر بين الضفتين لم يعد فاصلا, بل صار جسرا… وإن التاريخ، حين يدار بحكمة، يثمر صداقة محصّنة من تقلبات الريح…ريح تحمل نشيد المستقبل.
