عمدة باريس يستبق هزيمة حزب اليسار

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مشهد نادر الوجود في التاريخ السياسي الحديث، يخرج رئيس بلدية عاصمة كبرى، وقائد حزب عريق، ليقول لصحيفة وطنية: “حزبي لن يفوز، ولا نملك ما نقوله للناس”. إنه إيمانويل غرغور ، العمدة الجديد لباريس، الذي اختار أن يبدأ عهده في قصر المدينة بإعلان هزيمة فريقه قبل عام كامل من موعد الاقتراع. التصريح الذي أدلى به غرغور لمجلة لو نوفيل أوبس مساء الثلاثاء، كان بمثابة قنبلة سياسية: “اليوم، الظروف غير مهيأة لتحقيق فوز اليسار في العام المقبل… يجب أن نكون غير صادقين لندّعي العكس”. ثم يضيف الجملة الأكثر إيلاما: “القاسم المشترك بين كل قادة اليسار أنهم لا يملكون ما يقولونه للناس في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”. هذا المقال ليس مجرد تعليق على تصريح سياسي. إنه محاولة لفهم سيكولوجية القائد الذي يفقد الإيمان بفريقه قبل المعركة، وتحليل فلسفي لمعنى القيادة حين تنقلب إلى شهادة وفاة مكتوبة بخط اليد. إنه تأمل في كيف يمكن لرجل وصل إلى أعلى منصب محلي في فرنسا أن يكون أكثر وضوحاً في الإعلان عن فشل حزبه من خصومه السياسيين.

لفهم عمق هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى السياق. إيمانويل غرغور لم يكن مجرد خليفة عادي لآن هيدالغو . كان الرجل الأيمن لها، نائبها الأول، العقل المدبر للكثير من سياساتها المثيرة للجدل في باريس: من تحويل شارع ريفولي إلى دراجة هوائية، إلى معركة السيارات في العاصمة، إلى الميزانيات القياسية التي أثارت جدلا واسعا. عندما تنحت إيدالغو في مارس 2026، كان غرغور هو الوريث الطبيعي. لكنه ورث مدينة منقسمة: النخب الثقافية تؤيده، والطبقات الشعبية تشعر بأنها طُردت من العاصمة، واليمين يتربص بانتخابات 2026 البلدية التي ستكون اختباراً حقيقياً لقدرته على الحفاظ على القلعة الاشتراكية الأخيرة في فرنسا. في هذا السياق، يأتي تصريحه عن الرئيسية. إنه اعتراف عميق بأن المعركة خسرت قبل أن تبدأ. وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق: عندما لا يكون لدى قائد حزب كبير أي أمل في الفوز، فكيف يمكنه قيادة جيشه إلى المعركة؟ عندما يتحدث غرغور عن أن قادة اليسار “لا يملكون ما يقولونه”، فهو في الحقيقة يعترف بمرض عضوي أصاب اليسار الفرنسي منذ سنوات: فقدان القدرة على ترجمة القيم إلى برامج.

اليسار الفرنسي، الذي كان يوما معسكرا موحدا خلف برنامج اقتصادي واضح (توزيع الثروة، تعزيز الخدمات العامة، العدالة الاجتماعية)، أصبح اليوم مجموعة من الفصائل المتقاتلة: فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون، والحزب الاشتراكي المنكمش، والخضر الذين يحلمون بتحول بيئي دون أن يقدموا خريطة طريق واضحة، والحزب الشيوعي الذي يبحث عن دور في عالم لم يعد يعترف بالحدود القديمة. في هذا المشهد، يكون قائد الحزب الاشتراكي في باريس في موقع صعب: عليه أن يدافع عن إرث حزبه دون أن يمتلك رؤية مستقبلية. وهنا يولد الإحباط العضوي الذي دفع غرغور إلى هذا التصريح غير المسبوق. في علم النفس، هناك آلية دفاع تعرف باسم “استباق الفشل” . عندما يشعر الشخص أن الفشل لا مفر منه، فإنه يعلنه بنفسه ليخفف من وطأة الصدمة لاحقا. هذه الآلية تعمل كـ”تحصين نفسي”: بما أنني قلت إننا سنخسر، فلن أتألم كثيرا عندما نخسر فعلا. لكن المشكلة أن هذه الآلية، عندما يمارسها قائد سياسي، تصبح نبوءة ذاتية التحقق . الناخبون الذين يسمعون قائدهم يقول إنه لا يملك برنامجا وأنه سيفشل، لن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع لدعمه. غرغور، بهذا التصريح، قد يكون قتل أي أمل متبقي في تعبئة القاعدة الانتخابية اليسارية. هنا يبرز سؤال فلسفي عميق: هل من الأخلاقي أن يكون القائد صادقا إلى درجة تدمير فرص فريقه؟ أم أن القيادة تتطلب نوعا من “الأمل المصطنع” الذي يحافظ على تماسك الجماعة؟

في التقليد الفلسفي، نجد انقساما حادا. ماكيافيللي في “الأمير” يرى أن القائد يجب أن يظهر الصفات التي تجعل الناس يتبعونه، حتى لو لم تكن هذه الصفات حقيقية. أما كانط في فلسفته الأخلاقية، فيرى أن الصدق واجب مطلق مهما كانت العواقب. غرغور اختار كانط: كان صادقا. لكن ثمن الصدق كان إعلانا عمليا باستقالته المعنوية من مهمة قيادة المعركة الانتخابية. السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لرجل بهذا الصدق أن يكون قائدا فعالا؟ أم أن السياسة، بحكم طبيعتها، تتطلب درجة من “البهلوانية العاطفية” التي تجمع بين الواقعية والأمل؟ لننظر إلى موقف غرغور من خلال عدسة جان بول سارتر، الفيلسوف الوجودي الفرنسي الأكبر. سارتر يرى أن الإنسان “محكوم عليه أن يكون حرا”، وأن المعنى لا يعطى مسبقا، بل يصنع بالفعل. القيادة، في هذا المنظور، ليست انتظارا لظروف مواتية، بل هي خلق للظروف من خلال الفعل والإرادة.

عندما يقول غرغور “الظروف غير مهيأة للفوز”، فهو يستخدم لغة الحتمية التي رفضها سارتر بشدة. الوجودي الحقيقي يقول: “الظروف كما هي، لكن حريتي هي التي ستحدد ما سأصنع منها”. غرغور، في هذا السياق، يبدو أنه تخلى عن حريته القيادية قبل أن يستخدمها. ميشيل فوكو، فيلسوف السلطة والخطاب، يرى أن القادة لا يملكون الحقيقة، بل هم منتجون للخطاب الذي يصبح حقيقة. عندما يقول غرغور إن اليسار لا يملك برنامجا، فهو لا يصف واقعا موضوعيا، بل يخلق واقعا جديدا. خطابه هذا سيجعل من السهل على الآخرين أن يقولوا: “حتى قادة اليسار يعترفون بأنهم لا يملكون برنامجا. الانتقاد الفوكوي هنا هو أن غرغور أساء استخدام موقعه كقائد: بدلا من إنتاج خطاب يمكن أن يوحّد اليسار ويمنحه أملا، أنتج خطابا يعزز الانقسام واليأس. القائد الحقيقي، في فلسفة فوكو، هو من يدير الخطاب بحيث يخدم المشروع الجماعي، وليس من يطلق العنان لخطاب يهدم ما تبقى من تماسك.

ألبير كامو، الفيلسوف الأخلاقي الكبير، قدّم لنا في “أسطورة سيزيف” نموذجا للقيادة في زمن العبث. سيزيف، الذي حكم عليه بدفع الصخرة إلى قمة الجبل لتسقط في كل مرة، لم يستسلم. في كل مرة كان يبدأ من جديد، وهو يعلم أن الفشل محتوم. هذا هو الوجودي المقاوم: لا يهم إن كنت ستنجح، المهم أن تواصل النضال لأن النضال بحد ذاته هو المعنى. غرغور، في تصريحه، بدا وكأنه يرفض هذا النموذج. قال: لا فائدة، لن ننجح. كامو كان سيقول له: “ليس السؤال إن كنت ستنجح، بل السؤال: كيف ستواجه العبث دون أن تخون قيمك؟”. غرغور، بتصريحه، قد يكون خان القيمة الأساسية للقيادة اليسارية: الأمل في التغيير رغم كل الصعاب. من يتابع مسار غرغور يلاحظ أنه ليس سياسيا بالمعنى الكلاسيكي. هو بالأساس تقني إداري. درس في معهد الدراسات السياسية بباريس ، ثم عمل في مجلس الشيوخ الفرنسي، قبل أن يصبح مستشاراً لآن إيدالغ ثم نائباً أول لها. نجاحه لم يكن في الخطابة أو التعبئة الجماهيرية، بل في إدارة الملفات المعقدة، من النقل إلى الإسكان إلى البيئة. هذه الخلفية التقنية تفسر كثيراً في تصريحه. هو ليس رجل الخطابات الحالمة، بل رجل الأرقام والحقائق. وعندما ينظر إلى الأرقام (استطلاعات الرأي، نتائج الانتخابات السابقة، حالة الحزب)، يرى واقعا قاتما، ويقول ما يراه. لكن المشكلة أن السياسة ليست إدارة أرقام فقط، بل هي أيضا فن إدارة الآمال والمشاعر.

في ثقافة سياسية فرنسية تعتمد كثيرا على الخطابة الرنانة والوعود الكبيرة (من ميثاق كانبان إلى برامج اليسار المتعاقبة)، يأتي غرغور ليقدم نموذجاً مختلفا: الصراحة المطلقة، حتى لو كانت قاسية. هناك من يرى في هذا شجاعة نادرة. في زمن تهيمن فيه “الخطابات المعقمة” على الحياة السياسية، قد يكون قول الحقيقة القاسية هو فعل تحرري. لكن هناك من يرى في هذا استسلاما مقنعا بثياب الشجاعة. فالقول “لا نملك ما نقوله” ليس مجرد صراحة، بل هو إعلان عن إفلاس فكري واستراتيجي. ربما يكون غرغور مثالا على ظاهرة جديدة في السياسة الفرنسية: العدمي اللطيف. ذلك السياسي الذي وصل إلى القمة دون أن يؤمن بالقمة، والذي يدير المدينة دون أن يؤمن بأن المدينة يمكن إدارتها حقا، والذي يقود حزبا دون أن يؤمن بأن هذا الحزب يمكن أن يفوز.هذه الظاهرة ليست خاصة بغرغور، بل هي جزء من أزمة أعمق في الديمقراطيات الغربية: انفصال النخب السياسية عن قواعدها، وفقدان الثقة في قدرة المؤسسات على التغيير. غرغور، في هذا السياق، ليس سوى أعراض لمرض أكبر.

هل يمكن للتراث السياسي العربي أن يقدم لنا أدوات لفهم ما حدث؟ ربما نجد عند عبد الرحمن الكواكبي، صاحب “طبائعالاستبداد”، حديثا عن “القيادة التي تفقد ثقتها بنفسها”. الكواكبي يرى أن الاستبداد ليس فقط استبداد الحاكم، بل هو أيضا استبداد اليأس الذي يجعل المحكومين يعتقدون أن لا أمل في التغيير. غرغور، في تصريحه، بدا وكأنه يمارس شكلا من أشكال “استبداد اليأس” على قاعدته الانتخابية. عندما يقول قائد الحزب إن لا أمل في الفوز، فإنه يسلب من مناضليه آخر ذخيرة يملكونها: الأمل. أما طه حسين، في “مستقبل الثقافة في مصر”، فيحذر من “نخبة تنظر إلى الواقع بعين العجز”. النخبة التي ترى المستحيلات فقط، ولا ترى الإمكانيات، هي نخبة خائنة لوظيفتها التاريخية. غرغور، بوصفه قائدا للحزب الاشتراكي في عاصمة فرنسا، هو بلا شك من النخبة. لكن تصريحه يظهر أنه ينظر إلى الواقع بعين العجز، وليس بعين الإمكان. قد يكون تصريح غرغور بداية لاستقالة ضمنية من المعركة الوطنية. قد يركز على معركته البلدية في باريس 2026، ويترك الساحة الوطنية لمن هم أكثر تفاؤلا منه (أو أقل صدقا). في هذه الحالة، سيكون قد اختار أن يكون عمدة باريس، لا قائد اليسار الفرنسي.

قد يدفع هذا التصريح قادة اليسار إلى مراجعة حاسمة. قد يكون بمثابة صدمة اليقظة التي تجعلهم يجتمعون حول برنامج حقيقي، ويتركون خلافاتهم الشخصية جانبا. في هذه الحالة، سيكون غرغور قد قام بخدمة عظيمة لليسار: قال الحقيقة القاسية التي أنقذتهم من الوهم. لكن الأكثر ترجيحا هو أن هذا التصريح سيعمق الأزمة. سيزيد من إحباط القواعد، وسيعطي خصوم اليسار (ماكرون واليمين) ذخيرة إعلامية إضافية. وسيجعل من الصعب على أي قائد يساري آخر أن يطلق حملة انتخابية ذات مصداقية، ما دام عمدة باريس نفسه يقول إن لا أمل. ربما يكون الدرس الأعمق من هذه القصة هو أن القيادة ليست مجرد إدارة للمؤسسات، بل هي إنتاج للمعنى والأمل. عندما يفقد القائد القدرة على إنتاج المعنى، يصبح مجرد موظف إداري كبير، وليس قائدا سياسيا

إيمانويل غرغور، بكل صدقه وواقعيته، قدم لنا نموذجا للقائد الذي فقد إيمانه. ليس إيمانا دينيا، بل إيمانا بالمشروع الذي يمثله. وهذا هو الموت الحقيقي للسياسة: ليس موت الخصوم، بل موت اليقين بأن ما نفعله له معنى. في التراث العربي، هناك قول منسوب لعلي بن أبي طالب: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”. ربما يمكننا أن نقول: “من عرف حدود قيادته فقد عرف مسؤوليته”. غرغور عرف حدود قيادته. لكنه نسي أن المسؤولية ليست في الإعلان عن العجز، بل في محاولة تجاوزه. يتبقى سؤال واحد: هل يمكن لليسار الفرنسي أن ينتخب في 2027 قائداً لا يقول من الآن إنه سيفشل؟ أم أن غرغور، بهذا التصريح، يكون قد كتب شهادة وفاة لليسار قبل عام من الاقتراع؟ الإجابة ستكون في صناديق الاقتراع. لكن المؤكد أن غرغور، بهذه الصراحة غير المسبوقة، يكون قد أدخل اسمه في سجل التاريخ السياسي الفرنسي ليس كقائد منتصر، بل كـ قائد قال الحقيقة قبل أن يهزم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *