غزة : مجلس السلام أم مسرح الجغرافيا المتحركة؟

بقلم د. زكية لعروسي

في زمن تتكاثر فيه المجازر كما تتكاثر البيانات، ويضيق فيه الأفق حتى يصبح سماء من دخان، يطل ترامب من شرفة البيت الأبيض كمن يمسك ميزانا مختلّ بين الحرب والسلام، مطالبا ب«نزع سلاح كامل وفوري» لحركة حماس، في ما سمّاه المرحلة الثانية من خطته لإنهاء حرب غزة. لكن، أحقا نحن أمام خطة سلام؟ أم أمام إعادة ترتيب للكارثة بحيث تبدو أقل فوضوية وأكثر قابلية للتصوير؟

غزة، تلك الرقعة التي صارت استعارة للعالم، لا تزال تحت قبضة النار. الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، و«حماس» ترفض إلقاء سلاحها بالشروط المفروضة. وبين الطرفين هدنة هشة كخيط عنكبوت في عاصفة. ترامب يضغط، يغرّد، يعلن. خمسة مليارات دولار لإعادة الإعمار. قوة دولية للاستقرار. انسحاب تدريجي لإسرائيل. تفكيك البنية العسكرية لحماس. لكن السؤال الذي يطرق جدار العقل: هل يمكن لنزع السلاح أن يكون بداية سلام، أم أنه خاتمة صراع يعاد تشكيله في هيئة أخرى؟

أليست الحروب الحديثة، كما قال الفيلسوف كارل شميت، استمرارا للسياسة بوسائل أخرى؟ وإذا كانت السياسة اليوم تدار من منصات رقمية، فهل صارت الحرب مجرد منشور مطوّل؟ أعلن عن «مجلس السلام» في منتدى دافوس، بوصفه هيئة عالمية لحل النزاعات. إنضمت إليه تسع عشرة دولة، ودفعت بعض الدول مليار دولار لقاء مقعد دائم. دول أخرى، مثل فرنسا، رفضت الانضمام ما لم يعدَل ميثاقه. هنا تتكاثر الأسئلة: هل السلام صار امتيازا يشترى؟ وهل المليار دولار هو ثمن المشاركة في صناعة المصير؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج لنظام دولي جديد، تصاغ فيه الجغرافيا بلغة الاستثمار؟ ترامب يقول إن المجلس «سيكون أهم هيئة دولية في التاريخ». لكن التاريخ، قارئي الكريم، لا يعترف بالإعلانات، بل بالنتائج.

منذ عام 2007، تحكم «حماس» القطاع. حربان طويلتان، آلاف القتلى، مدن مدمّرة، وذاكرة مشبعة بالركام. الآن يُطلب منها أن تتخلى عن سلاحها فورا. هنا المفارقة الفلسفية الكبرى: هل يمكن لحركة ولدت من رحم المقاومة أن تتحول إلى كيان منزوع المخالب بين ليلة وضحاها؟ وهل الأمن يفرض من الخارج بقوة دولية، أم يبنى من الداخل بثقة مفقودة؟
إن فكرة «القوة الدولية للاستقرار» تبدو كأنها محاولة لوضع ضماد أمميّ على جرح وجودي. لكنها أيضا تثير مخاوف: من يضمن ألا تتحول هذه القوة إلى وصاية جديدة؟ ومن يحدد معنى «الاستقرار»؟ أهو غياب السلاح، أم غياب العدالة؟

ف”فين نعطيه براسنا مع ترامب؟” مع ترامب، السياسة ليست مسارا خطيا، بل موجة متقلبة. هو رجل الصفقات، لا العقائد. يرى العالم كلوحة أرقام، ويقيس النزاعات بمنطق الربح والخسارة. فحين يعد بخمسة مليارات لإعمار غزة، يبدو الأمر كأننا أمام عرض استثماري: «أنزعوا السلاح، نعيد البناء، نرسل قوة دولية، ونغلق الملف». لكن النزاعات لا تُغلق كالملفات. هي تعيش في الذاكرة، في الحكايات، في أسماء الشوارع التي صارت مقابر.
فهل يستطيع مجلس ولد في دافوس أن يطفئ نارا اشتعلت منذ عقود؟ وهل يكفي الضغط الأمريكي لتغيير معادلات تشكّلت بالدم؟
بين الحلم والسراب قد يرى البعض في الخطة فرصة أخيرة قبل انهيار شامل. وقد يراها آخرون محاولة لإعادة صياغة التوازنات بما يخدم رؤية واشنطن.

لكن الحقيقة الأعمق أن السلام ليس مجرد اتفاقٍ تقني، بل تحوّل في الوعي. هو أن يعترف كل طرف بإنسانية الآخر، قبل أن يعترف بحدوده. وهنا يكمن السؤال الأعجب: هل العالم مستعد لسلام عادل، أم أنه يفضّل سلاما مريحا؟ غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل مرآة لضمير عالميّ مضطرب. و«مجلس السلام» قد يكون بداية فصل جديد… أو مجرد عنوان آخر في كتاب الوعود المؤجلة. ونحن نتأمل المشهد، يبقى السؤال معلقا في هواء مثقل بالبارود: هل نزع السلاح هو نزع للشر، أم أن الشر يسكن في بنية أعمق من البنادق؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *