غزة بين هندسة الخراب وفلسفة المستحيل

بقلم د.زكية لعروسي

في زمن تتداخل فيه الخرائط ، يخرج بنيامين نتنياهو ليعلن أن إعادة إعمار غزة لن تكون ممكنة دون نزع سلاح حركة حماس. تبدو العبارة كأنها بند تقني في وثيقة هندسية، شرط مسبق قبل صب الإسمنت ورفع الرافعات. لكنها في العمق ليست شرطا عمرانيا، بل سؤالا وجوديا عن طبيعة القوة والذاكرة والسيادة في بقعة صغيرة تختزن من التاريخ أكثر مما تحتمل الجغرافيا.

حين يقال نزع السلاح، يتخيل البعض صناديق معدنية تغلق بالمفاتيح، ومستودعات تفرغ من محتواها. غير أن السلاح في المجتمعات التي نشأت تحت ضغط دائم لا يكون مجرد اداة، بل يتحول إلى رمز كثيف، إلى استعارة للبقاء، الى لغة بديلة حين تتعطل اللغات الأخرى. في الأماكن المستقرة تحتكر الدولة العنف المشروع كما وصف هوبز في تصور ليفياثان، أما في الأماكن المتصدعة حيث السيادة منقوصة والحدود مسيجة بالخوف، يتشظى الاحتكار وتصبح القوة موزعة بين فاعلين متعددين. هنا يطلب من مجتمع لم تكتمل دولته أن يتصرف كما لو كان يعيش داخل دولة مكتملة الشروط.

الفكرة تبدو كأنها تجربة مخبرية في الخيال السياسي: إنزعوا سلاحكم أولا، ثم سنعيد بناء بيوتكم. لكن البيوت ليست حجارة فقط، بل امتداد للشعور بالأمان. والأمن في وعي من عاش الحصار ليس مفهوما تجريديا، بل تجربة يومية مرتبطة بقدرة الردع، حقيقية كانت أو رمزية. لذلك يتحول الشرط إلى مفارقة دائرية: لا إعمار دون نزع سلاح، ولا نزع سلاح دون ضمانا سيادية، ولا ضمانات دون تسوية سياسية، ولا تسوية دون تغير في موازين القوى. دائرة مغلقة تبتلع نفسها.

من منظور جيوسياسي بارد، يمكن قراءة الطرح كجزء من إعادة هندسة المشهد الإقليمي بعد حرب طويلة، حيث تسعى أطراف متعددة إلى صياغة واقع أمني جديد. الولايات المتحدة، القوى الإقليمية، الحسابات الداخلية الإسرائيلية، والانقسامات الفلسطينية، كلها تتقاطع في مساحة ضيقة اسمها غزة. كل طرف يرى في نزع السلاح خطوة ضرورية لأمنه أو لنفوذه أو لشرعيته. لكن المجتمع على الأرض لا يعيش داخل معادلات مراكز الأبحاث، بل داخل ذاكرة ممتدة من الانتفاضات والحروب والحصار.

السؤال الحقيقي ليس كيف ينزع السلاح، بل متى يصبح وجوده غير ضروري في وعي حامليه. نزع السلاح في تجارب تاريخية عديدة لم يكن بداية السلام، بل نتيجة لمسار طويل من بناء الثقة وتغير البيئة السياسية. حين يشعر الفرد أن هناك أفقا سياسيا واضحا، ومؤسسات قادرة على حمايته، وحدودا معترف بها، عندها يصبح التخلي عن القوة المسلحة خيارا عقلانيا لا انتحارا رمزيا. أما في غياب ذلك، فإن الطلب يبدو أقرب الى مطالبة الصخر أن يتخلى عن صلابته بينما الرياح لا تزال عاتية. الصخر لا يتخلى عن طبيعته بقرار إداري، بل حين تتغير الظروف التي جعلت صلابته ضرورة. وهنا يكمن التوتر بين الخطاب السياسي الذي يتحدث بلغة الشروط الفورية، والواقع الاجتماعي الذي يتحرك وفق إيقاع أبطأ بكثير، إيقاع الذاكرة الجمعية والخبرة المتراكمة.

لسنا أمام مشهد من الخيال العلمي، لكننا أيضا لسنا في واقع بسيط يمكن اختزاله في معادلة تقنية. نحن في منطقة رمادية تتقاطع فيها الفلسفة مع الأمن، والهوية مع الجغرافيا، والإعمار مع معنى القوة. وفي هذه المنطقة، لا تكفي الشروط ولا تكفي الشعارات. المطلوب تصور شامل يعيد تعريف الأمن لجميع الأطراف، لا كامتياز لطرف ونزع لطرف، بل كحالة مشتركة تجعل السلاح فائضا عن الحاجة لا عنوانا للوجود. حتى يتحقق ذلك، سيبقى الجدل يدور، وستبقى غزة مسرحا لاختبار حدود الواقعية السياسية وحدود الاحتمال الإنساني، بين من يضع الشروط ومن يعيش نتائجها، بين لغة الاستراتيجيات ولغة الناس الذين يريدون ببساطة أن يعيشوا دون أن يكون بقائهم بندا تفاوضيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *