بقلم د. زكية لعروسي
في بلد يفاخر بإرثه الجمهوري وبإعلانه التاريخي لحقوق الإنسان، يتعثر قانون لحماية الطفولة في دهاليز الأجندات السياسية، كأن الأطفال ترف تشريعي يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات والموازنات. هكذا بدا المشهد في France حين أُرجئ مشروع قانون إعادة تأسيس حماية الطفولة، في وقت كانت فيه صور العنف داخل أحد مراكز الرعاية التابعة لـ Aide sociale à l’enfance تصفع الضمير العام. بين تصريح وزاري وتحذير جمعياتي، بين مبادرة برلمانية اقترحتها Isabelle Santiago، وموقف معلن من الوزيرة Stéphanie Rist، تتبدى مفارقة قاسية: الدولة التي تحتكر العنف المشروع، بحسب تعريف ماكس فيبر، تبدو عاجزة عن احتكار الحماية. فإذا كان القانون هو التعبير الأعلى عن الإرادة العامة، فماذا يعني أن يتأخر حين يتعلق الأمر بالأكثر هشاشة؟
نحو أربعمائة ألف طفل وشاب تحت مظلة الحماية، أكثر من مائتي ألف منهم خارج أسرهم. أرقام تتكدس مثل حجارة في صدر المجتمع. لكن الأرقام لا تبكي، ولا ترتجف حين يضرب طفل في الثالثة عشرة أرضا، أمام عدسات هواتف رفاقه. هنا لا يعود السؤال إداريا ولا تشريعيا فحسب، بل أنثروبولوجيا: كيف صار العنف لغة يومية في فضاءات يفترض أنها أنشئت لتضميد الجراح؟ يقول توماس هوبز إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. لكن هوبز كان يتحدث عن حالة الطبيعة، لا عن مراكز رعاية تشرف عليها دولة حديثة. أما جان جاك روسو، فكان يؤمن أن الإنسان يولد خيرا، وأن المجتمع هو من يفسده. بين هذين القطبين يتأرجح واقع الطفولة المعاصرة: هل أخطأنا التربية حتى صار الأطفال يعيدون إنتاج عنف الكبار؟ أم أن العولمة، بشاشاتها المفتوحة وصورها الفائضة، سرّعت نضج العنف في الوعي الطفولي؟
العنف لم يعد استثناء يختبئ في الأزقة المعتمة، بل صار مشهدا يصوَّر ويتداول. الفعل لم يعد يكتفي بإيلام الجسد، بل يبحث عن جمهور. هنا يتقاطع المحلي بالعالمي: طفل في مركز رعاية بمدينة فرنسية، لكنه يتغذى رمزيا من ثقافة كونية تمجد القوة الفورية، والرد السريع، والهيمنة كإثبات للذات. العولمة لم تنقل السلع فقط، بل نقلت أيضا نماذج السلوك، وخلخلت البنى التقليدية للسلطة داخل الأسرة والمدرسة. ومع ذلك، سيكون من السهل والمريح إلقاء اللوم على العولمة وحدها. الحقيقة أكثر تعقيدا وأشد إيلاما. ثمة إنهاك يصيب العاملين في الميدان، نقص في الموارد، قضاء مثقل بالملفات، و أسر مفككة تعيش على حافة الهشاشة الاقتصادية والنفسية. حين ينتزع الطفل من أسرته حماية له، لكنه يجد نفسه في مؤسسة عاجزة عن توفير الأمان الكامل، فإننا لا نكون قد حللنا المعضلة بل نقلناها من فضاء خاص إلى فضاء عمومي. هنا يطل سؤال وقائي يكاد يكون بديهيا: لماذا ننتظر لحظة الانفجار؟ لماذا لا تتحول سياسات حماية الطفولة إلى سياسات دعم مبكر للأسر، إلى برامج مواكبة للآباء والأمهات، إلى تدريب عاطفي وتربوي يسبق الكارثة؟ أفلاطون في الجمهورية كان يربط صلاح المدينة بصلاح تربية ناشئتها. فإذا كانت المدينة الحديثة تؤجل قوانينها الخاصة بالأطفال، فهل تفاجأ إن كبروا وهم يحملون ندوب التأجيل؟
لسنا أمام أزمة قانون مؤجل فحسب، بل أمام أزمة تصور للطفولة ذاتها. هل نراها مرحلة عابرة ينبغي إدارتها بأقل كلفة، أم نراها البنية التحتية الأخلاقية للمجتمع القادم؟ الطفل الذي يُضرب اليوم قد يكون غدا مواطنا غاضبا، أو فاعلا عنيفا، أو إنسانا مثقلا بشعور عميق بالخذلان. وحين تتكرر مشاهد العنف في مؤسسات الحماية، يتآكل الإيمان الجمعي بأن الدولة قادرة على أداء دورها الأبوي الرمزي. في التاريخ، كانت المجتمعات تقاس بقدرتها على حماية أضعف أفرادها. وفي الفلسفة السياسية، الشرعية ليست مجرد انتخابات وقوانين، بل عقد أخلاقي غير مكتوب مع المستقبل. الطفولة هي هذا المستقبل مجسدا في وجوه صغيرة. فإذا عجزنا عن حمايتها، فبأي معنى نتحدث عن التقدم؟
ربما لا يكون السؤال هل أخطأنا التربية أم هي نتيجة العولمة. ربما السؤال الأعمق هو: هل امتلكنا الشجاعة لإعادة التفكير في معنى التربية ذاته، في زمن تتنازع فيه الأسرة والمدرسة والشاشة سلطة تشكيل الوعي؟ هل نجرؤ على الاستثمار في الوقاية قبل العقاب، في الدعم قبل الإيداع، في الإصغاء قبل إصدار الأحكام؟ الخروج من دور الطفولة أناسا صالحين للمجتمع لا يتحقق بقانون واحد، مهما كان متقدما. إنه مسار طويل يبدأ من الاعتراف بأن العنف ليس قدرا، بل نتيجة تفاعل معقد بين هشاشة فردية وبنى اجتماعية مرتبكة وثقافة كونية متسارعة. وإذا كانت السياسة فن الممكن، فإن حماية الطفولة هي اختبار الممكن الأخلاقي الأقصى. ليست القضية قضية مراكز رعاية أو نصوص تشريعية فقط، بل قضية صورة المجتمع عن نفسه. هل نريد مجتمعا يرمم أطفاله بعد أن ينكسروا، أم مجتمعا يمنع الكسر من الأصل؟ بين هذين الخيارين يتحدد شكل المستقبل، ويتقرر إن كانت الطفولة ستبقى زمنا للبراءة، أم ستتحول إلى ساحة مبكرة لصراعات الكبار
