فرنسا والطفولة: حجب بعض المواقع الإباحية

woman, mobile phone, listening to music, listening, fashion, adolescence, mobile phone, mobile phone, mobile phone, mobile phone, mobile phone, listening, listening, listening, listening

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زمن كانت فيه القراءة فعل اكتشاف وجودي، وكان الأدب بوابة لفهم الذات والعالم، يقف جيل جديد اليوم على عتبة مختلفة تماما: شاشة مضيئة، محتوى متدفّق بلا رقيب، وصناعة رقمية تتقن التسلل إلى العقول الغضّة دون استئذان. ما حدث مع قرار حجب بعض المواقع الإباحية في فرنسا ليس سوى رأس جبل الجليد، إذ يكشف عن معركة أعمق بكثير: معركة على وعي الطفولة نفسها.

لقد كان الأدب، كما في تجربة محمد شكري في “الخبز الحافي”، صادما نعم، لكنه صدمة واعية، مؤطرة بسياق إنساني وفكري. كانت القسوة فيه مرآة لواقع اجتماعي، ووسيلة لفهم الانكسار والتمرد، لا أداة لاستغلال الغرائز أو تسليع الجسد. كان القارئ يدخل النص وهو مسلّح -ولو جزئيا- بقدرة على التأويل، وبمسافة نقدية تحميه من الذوبان في ما يقرأ. أما اليوم، فنحن أمام محتوى لا يطلب من الطفل أن يفهم، بل أن يستهلك. لا يدعوه إلى التفكير، بل إلى التكرار. إنها صناعة قائمة على خوارزميات تعرف نقاط الضعف أكثر مما يعرفها الآباء، وتعيد تشكيل الذائقة والسلوك ببطءٍ ودهاء. الطفل لم يعد يبحث عن هذا المحتوى، بل صار المحتوى هو من يبحث عنه.

هنا تكمن الخطورة: الانتقال من “الصدمة الأدبية” إلى “التخدير الرقمي”. الأول يوقظ، والثاني ينوّم. الأول يفتح أسئلة، والثاني يغلقها تحت سيل من الصور الفورية. لم يعد الأمر مقتصرا على فئة عمرية أو طبقة اجتماعية؛ نحن أمام طفولة جماعية تتعرض لإعادة تشكيل هادئة، حيث تختلط البراءة بالاستثارة، واللعب بالانحراف، في فضاء واحد.

ولعل المثل الشعبي القائل “حجّة وزيارة” يلخّص الفارق بين الأمس واليوم: كان الأدب يبرر نفسه كوسيلة للمعرفة، حتى وإن كان صادما. أما اليوم، فالكثير من هذا المحتوى لا يحمل أي حجة سوى الربح، ولا يقدم أي زيارة سوى إلى عوالم استهلاكية مغلقة. جيل “قمش ما يحشم ما يرمش”، كما يقال، ليس نتيجة خلل أخلاقي فردي، بل نتيجة بيئة رقمية تكافئ الجرأة الفارغة وتهمّش العمق. جيل يتعرض لكم هائل من الصور قبل أن يمتلك أدوات الفهم، فيفقد تدريجيا حسّ الدهشة، وربما حسّ الحياء ذاته كقيمة أخلاقية جامدة، بل كآلية إنسانية لتنظيم العلاقة مع الذات والآخر.

السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: كيف نمنع الوصول؟ بل: ماذا نقدّم بديلا؟ هل نملك مشروعا ثقافيا قادرا على منافسة هذا الطوفان؟ هل ما زال للأدب، للفلسفة، للفن، مكان في تشكيل وعي الطفل؟ إن حجب المواقع خطوة تقنية، لكنها لا تكفي. المعركة الحقيقية هي معركة معنى. بين عالم ينتج الإنسان، وآخر ينتج المستهلك. بين طفل يقرأ ليصير، وطفل شاهد ليستهلك. وفي النهاية، ربما نحتاج أن نعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: ليس “ماذا يقرأ أبناؤنا؟” بل “من يكتب عقول أبنائنا 

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *