بقلم زكية لعروسي, باريس
“قفزت الأسعار من 12 درهما إلى 15.5 درهما للكيلوغرام”… هكذا تقول الأخبار، وهكذا يبكي المواطن على قفة رمضان. لكنني، وبين الخبر والتحليل، أرى مشهدا أوسع: إنها ليست مجرد زيادة موسمية في سعر الدجاج، إنها ملحمة بشرية متكاملة الأركان، تبدأ من قصة خلق الطائر قبل سبعة آلاف عام، ولا تنتهي عند “الشنّاق” الذي يتربص بالفقير عند باب السوق. في أقل من أسبوع على عيد الفطر، يفزع المغاربة لارتفاع جديد في أسعار الدجاج. محمد عبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، يفسر أن”الطلب ارتفع” . ومصطفى المنتصر، رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن، يضيف أن هناك “ضغطا لوجستيكيا” وصعوبة في توفير الشاحنات . ويبقى المواطن يتفرج على الكيلوغرام وهو يقفز قفزات بهلوانية، وكأن الدجاجة لم تعد لحما يطبخ، بل سهما في البورصة يتاجر به.

لو عاش أشعب في هذا الزمن، لكان أغنى رجل في الدنيا. ذلك الرجل الطماع الذي قيل إنه كان يدخل الولائم بلا دعوة، ويأكل بلا شبع، ويعتذر بلا حياء، هو النموذج الأكثر تعبيرا عن روح الاستهلاك المعاصرة. نحن اليوم شعب أشعب بامتياز. نشتري ليس لأننا نحتاج، بل لأن الموسم قال: اشتري. العيد يقول: ضحِّ، والفِطر يقول: احتفل. وفي كل مرة، يخرج الدجاج من أقفاصه ليستقر في مقالينا، وكأنه لا وجود له في الكون إلا بهذه الوظيفة النهائية: أن يؤكل. الارتفاع الأخير في الأسعار ليس سوى انعكاس لشهيتنا الجماعية. فما أن يقترب العيد، حتى نتحول إلى جيوش من المشترين، نزحف نحو الأسواق وكأننا نغزوها. ندفع، ولا نساوم. نأخذ، ولا ننظر إلى الثمن. عندها، يفرك “الشنّاق” يديه فرحا، ويقول في نفسه: “سُبْحانَ مَنْ سَخَّرَ هَؤُلاءِ القَوْمَ لِرِزْقِنَا”.
لو جلس الجاحظ اليوم على قهوة شعبية في الدار البيضاء، وراقب مشهد شراء الدجاج في رمضان والعيد، لكتب كتابا جديدا عنوانه: “البخلاء الجُدد”. لكنه هذه المرة لم يكن ليكتب عن بخلاء المال، بل عن بخلاء الروح، وأسرى الاستهلاك، وأتباع أشعب الذين يملؤون الدنيا ضجيجا ولا يشبعون. كان الجاحظ، كما قرأناه، فقيها متكلما، وخبيرا في النفس والاجتماع، يصوّر “مختلف حالات البخل من خلال القصص والحكايات والنوادر التي أوردها وفق تصوير دقيق واقعي، وحسي، ونفسي، واجتماعي، وفلسفي، وفكاهي” . تخيله اليوم وهو يرى المشهد: “رجل معه 15 درهما فقط، يدفعها كلها ثمنا لدجاجة هزيلة، ثم يعود إلى بيته سعيدا لأنه شارك في العيد”. ألا يستحق هذا الرجل أن يكون بطلا لنادرة جديدة؟ أليس هذا هو البخل المعكوس، بخل المدخرات القليلة التي تذهب هباء في سوق مفتوح بلا رقيب؟ الجاحظ، بذكائه الفذ، كان يكتب ليضحك الناس، ولكن “وراءها ما وراءها من مقاصد اللغة، وسبيل المعرفة، وأهدافها تتجه إليها تحليلاته النفسية والفكرية” . لو عاد اليوم، لرأى أن “الضغط اللوجستيكي” ليس سوى قناع تختبئ خلفه “الشناقة”، كما يسميهم مصطفى المنتصر . ولأدرك أن “الاحتكار وزيادات ثمن الكتكوت والأعلاف” ليست مجرد مشاكل عابرة، بل هي بنية متكاملة من الجشع تحول الدجاجة إلى سلعة نادرة حتى وهي متوفرة..فهل, إذن,. الدجاج: طائر مبارك أم ضحية مأساوية؟
الأغرب في هذه القصة أن الدجاج نفسه له تاريخ طويل من التقديس. ففي مصر القديمة، كان الديك “دليلا عالميا على العداء”، وكان يستخدم لكشف الحظ قبل المعارك . في الديانة الزرادشتية، كان صياحه في الفجر”يبشر بنقطة تحول في الصراع الكوني بين الظلام والضوء” . الرومان كانوا يأخذونه معهم إلى الحرب، فإن أكل بشهية، تيقنوا من النصر .واليوم، هذا الطائر المقدس، الذي دخل مصر مع البطالمة وأصبح مادة غذائية شائعة ، تحول إلى مجرد رقم في معادلة العرض والطلب. لم يعد يصغي لصياحه أحد، ولم يعد يقرأ أحد في سلوكه فألا. صار يربى في الضيعات بأعلاف مصنعة، ويذبح بالآلاف، ويباع بالكيلوغرام. مأساته أنه لم يعد طائرا، بل أصبح “منتجا”. مأساته أنه فقد هالته وقداسته، وأصبح لقمة سائغة في فم أشعب الذي لا يشبع…فماذا لو قاطعنا؟
في ردود فعل المغاربة على خبر ارتفاع الأسعار، نقرأ صوتا وحيدا لكنه صادح: “فقط عندما يعي المواطن أن إرخاصها بالمقاطعة سوف تتغير عقلية الشناقة والمضاربين، خليه يخنز عندهم” . هذا هو الحل الذي لا يحتاج إلى وزارة ولا إلى قرار حكومي. المقاطعة هي السلاح الوحيد المتبقي في يد المستهلك. مصطفى المنتصر نفسه، وهو من المنتجين، ناشد المواطنين “تجنب التهافت على الشراء في وقت واحد”, إنه اعتراف صريح بأننا، نحن المستهلكين، جزء من المشكلة. سلوكنا النهم، وتهافتنا الجماعي، هو ما يصنع هذه الذروة المصطنعة في الأسعار. نحن من نخلق “الشنّاق”، ثم نبكي عليه.

يحكى أن أحد البخلاء في كتاب الجاحظ كان يقول لولده: “يا بني، إياك والدجاج، فإنه طائر حمق، يأكل كما تأكل السباع، ولا يشبع كما تشبع البهائم”. كان هذا البخيل يبغض الدجاج لأنه “يأكل كثيرا” ولا يقدم بيضا كافيا. اليوم، نحن نعيش القصة المعكوسة: نحن من نأكل الدجاج كثيرا، ونحن من ندفع كثيرا، ثم نشتكي كثيرا. العيد القادم، قبل أن تشتري الدجاجة، تذكر أنها ليست مجرد سلعة. تذكر أن هذا الطائر كان مقدسا، وأن البشرية عاشت بدونه آلاف السنين، وأنك لست اشعب ولا مضطرا لأن تكون كذلك. إشتر إذا احتجت، لكن لا تتهافت. إدفع الثمن العادل، لكن لا تسمح للـ”شنّاق” أن يفرض عليك ثمن حلم العيد. فالعيد ليس عيدا للدجاج، بل هو فرحة لا تشترى بالدراهم، ولا توزن بالكيلوغرامات. وإن لم تسمع كلامي، فاستعد لدفع 18 درهما في الكيلوغرام يوم الخميس القادم. عندها، لن ينفعك إلا أن تقول كما قال أشعب: “اللهم ارزقني ولا تكِلني إلى نفسي طرفة عين”.
📲 Partager sur WhatsApp